في أزرو، لا تقاس المكانة بما يقال، بل بما يتركه الإنسان خلفه من أثر. هناك، بين تفاصيل اليومي البسيط، تعيش أسماء لا تحتاج إلى أضواء لتُعرف، لأن حضورها متجذر في وجدان الناس. ومن بين هذه الأسماء، تبرز الحاجة شوكرا، سيدة لم تعش حياتها كحكاية عابرة، بل كتجربة إنسانية كاملة، كتبت فصولها بالعمل، والصبر، والقلب الكبير.
الحاجة شوكرا، إطار متقاعد من وزارة الصحة المغربية، ليست فقط موظفة أدّت مهامها وانتهى المسار، بل واحدة من تلك النساء اللواتي حوّلن المهنة إلى رسالة، والواجب إلى التزام أخلاقي يومي. سنوات طويلة قضتها في خدمة صحة ساكنة أزرو، لا تُختزل في ملفات إدارية أو تقارير رسمية، بل تُقرأ في وجوه النساء اللواتي وجدن فيها سنداً، وفي دعوات المرضى الذين مرّوا من أمامها فخرجوا مطمئنين.
كانت تدخل فضاءات الصحة لا كموظفة تنتظر نهاية الدوام، بل كإنسانة تعرف أن وراء كل ملف حكاية، ووراء كل مريض وجع يحتاج قبل الدواء إلى كلمة طيبة. لم تكن الحاجة شوكرا تُمارس العمل من خلف مكتب، بل من داخل القلب، حيث تتشكل المعاني الحقيقية للعطاء.
عرفها الجميع بإنسانيتها، بقدرتها على احتواء الآخرين، وبحضورها الذي لا يُشبه إلا نفسه. كانت قريبة من الصغير قبل الكبير، ومن المحتاج قبل غيره. لم تكن تنتظر أن يُطلب منها، بل كانت تبادر، تُسعف، تُوجّه، وتُساند… وكأنها ترى في كل إنسان جزءاً من مسؤوليتها.
وفي زمن تتغير فيه القيم بسرعة، بقيت الحاجة شوكرا ثابتة في مواقفها، واضحة في اختياراتها، لا تُساوم على إنسانيتها، ولا تتخلى عن دورها. كانت نموذجاً لامرأة مكافحة، بنت نفسها بنفسها، وتعلمت بطريقتها، وفرضت احترامها بأفعالها، لا بكلماتها.
لكن قصة الحاجة شوكرا لا تقف عند حدود العمل فقط. في الجانب الإنساني الأعمق، عاشت محطات صعبة، كان أقساها فقدان زوجها رحمه الله. لحظة كان يمكن أن تُثقلها، أن تُبطئ خطاها، لكنها اختارت طريقاً آخر: أن تُكمل، أن تتحمل، أن تربي أبناءها بروح الأم التي تجمع بين الحنان والقوة.
كانت أماً لشابين، لم تمنحهما فقط التربية، بل غرست فيهما القيم، وربّتهما على الاعتماد على النفس، حتى صارا اليوم في ديار المهجر، يحملان معها قصة نجاح صامتة، عنوانها التضحية، والصبر، والإيمان بالمستقبل. لم يكن وصولهما صدفة، بل نتيجة سنوات من العطاء غير المشروط، من أمّ وضعت أبناءها في مقدمة كل شيء.
اليوم، وهي في مرحلة التقاعد، لا يمكن الحديث عن نهاية مسار، بل عن بداية أخرى لامرأة ما زالت بصمتها حاضرة. التقاعد بالنسبة للحاجة شوكرا ليس انسحاباً، بل انتقال هادئ من موقع إلى آخر، حيث يستمر الأثر، وتبقى الذكرى حيّة في كل من عرفها.
هي من النساء اللواتي لا تُكتب عنهن المقالات فقط، بل تُروى عنهن الحكايات. نساء لا يحتجن إلى تعريف، لأن سيرتهن محفوظة في قلوب الناس، في الامتنان الصادق، في الدعوات التي تُرفع لهن في الغيب.
الحاجة شوكرا… ليست مجرد اسم في مدينة، بل ذاكرة حيّة، جزء من هوية أزرو، وعنوان لزمن كان فيه العطاء يُمارس بصمت، والإنسانية تُعاش بكل صدق.
وإن كان لا بد من خاتمة، فربما أجمل ما يمكن أن يُقال:
هناك نساء يعشن حياتهن… وهناك نساء يصنعن حياة الآخرين.
والحاجة شوكرا، كانت دائماً من الصنف الثاني.


Comments
0