الدكتورة نادية لمودي أيقونة السوسيولوجيا المغربية واسمٌ يُحسب في البحث العلمي - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الدكتورة نادية لمودي أيقونة السوسيولوجيا المغربية واسمٌ يُحسب في البحث العلمي

بلاغ

من الصعب أن نتحدث عن امرأة في العلم، ونضعها في قالب عادي، لأن الدكتورة نادية لمودي ليست مجرد أستاذة جامعية أو باحثة. هي تلك الصورة النادرة التي تجمع بين الذكاء العلمي، والإنسانية، والطيبة، والشغف الحقيقي بالمعرفة. من اللحظة التي تعرف فيها على اسمها، تشعر أنك أمام شخصية لا تُقاس بالدرجات أو الشهادات، بل تُقاس بقدرتها على تحويل الفكر إلى ضوء يضيء في عتمة الخطاب الاجتماعي.

نادية لمودي ليست مجرد أستاذة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، بل هي منارة في مجال سوسيولوجيا النوع الاجتماعي، وقد جعلت من هذا التخصص ليس فقط مجالًا أكاديميًا، بل أداة لتحليل المجتمع المغربي، ولإعادة قراءة صورنا اليومية التي نعتقد أنها طبيعية. ففي زمن يعج بالإعلام الذي يكرر نفس الصور النمطية ويعيد إنتاجها بلا توقف، جاءت أبحاثها لتقول بصوت واضح: إن الهوية ليست شيئًا فطريًا ثابتًا، بل هي بناء اجتماعي يتغذى من الخطاب، وخصوصًا من الخطاب الإعلامي الذي يصنع ما نعتبره “طبيعيًا”.

حبها للعلم لا يشبه حب كثيرين للبحث كواجب أو كمسار مهني. بل هو حب يتجاوز الكتب، ويتجاوز المنهج، ويتحول إلى شغف حقيقي للمعرفة. هي ليست من أولئك الذين يدرسون ليشرحوا، بل من يدرسون ليوقظوا. في قاعة الدرس، لا تشعر بأنك أمام محاضرة جامعية تقليدية، بل أمام تجربة فكرية تجعل الطالب يخرج وهو يشعر أن عقله قد اتسع، وأنه أصبح قادرًا على رؤية ما كان يراه سابقًا دون أن يعيه. وهذه هي قدرة المعلم الحقيقي: أن يجعل منك إنسانًا مختلفًا بعد كل درس.

وبالرغم من صرامتها العلمية، إلا أن طيبتها هي ما يظل عالقًا في ذهن الطالب. فهي لا ترفض أحدًا، ولا تُحقر من سأل، بل تستقبل الجميع بابتسامة هادئة، وبصوت يشع احترامًا. هذا الاحترام ليس مجرد أخلاق جامعية، بل هو انعكاس لشخصية تتعامل مع الإنسان كإنسان، قبل أن تتعامل معه كطالب أو باحث. وقد رأينا في كثير من قصص الطلاب كيف أن تفاعلها معهم لا يقتصر على الجانب الأكاديمي، بل يتعداه إلى الاحتواء النفسي، مما يجعلها ليست مجرد أستاذة، بل مرشدة وإنسانة تُعطي بلا حدود.

أما عن كتابها الذي أحدث ضجة في الوسط الأكاديمي والإعلامي، فهو “الهويات الذكورية والأنثوية بين الاستمرارية وإعادة التشكيل في وسائل الإعلام المغربية”. هذا العمل لم يكن مجرد بحث عادي، بل كان ضربة قوية في قلب الصورة النمطية. لأن الدكتورة نادية لمودي لم تكتفِ بقراءة الإعلام كنافذة تعرض الواقع، بل قرأتها كآلة تصنعه. وعندما قرأت ذلك، أصبحت الرسالة واضحة: الإعلام لا ينقل الحقيقة فحسب، بل هو يصنع “حقيقة” قابلة للتداول، يخلق من خلالها نماذج للرجولة والأنوثة، ويعيد إنتاج القيم الاجتماعية أو يعيد تشكيلها بطرق خفية.

وفي هذا الكتاب، أظهرت بوضوح أن الهوية الجندرية ليست مجرد شيء يولد مع الإنسان، بل هي مقولة اجتماعية تُبنى داخل الخطاب. فالرجولة ليست مجرد جنس، بل هي نمط من السلوك، وصورة، ودور يُفرض على الرجل داخل المجتمع. والأنوثة ليست مجرد جسد، بل هي أيضًا تمثيل اجتماعي يحدد للمرأة ما يجب أن تكون عليه، وكيف يجب أن تتصرف، وما الذي يُسمح لها به. وهذا هو جوهر قوة كتابها: أنه يجعل القارئ يعيد التفكير في كل ما كان يعتقد أنه طبيعي، ويضعه أمام مرآة النقد والوعي.

ومع أن الكتاب قد أثار الكثير من النقاشات، إلا أن ذلك لم يكن صدفة. لأنه في جوهره يفتح بابًا لمناقشة عميقة حول ما يعنيه أن نعيش في مجتمع تتكرر فيه الصور النمطية يوميًا عبر وسائل الإعلام، وأن نرى أنفسنا في مرآة لا تعكس حقيقتنا، بل تعيد إنتاج صورة مفروضة. لقد جعلت الدكتورة نادية لمودي من الإعلام ساحة للمعركة: معركة الوعي، ومعركة الهوية، ومعركة القدرة على قول “لا” لما يفرض علينا كحقائق ثابتة.

ومن خلال هذه الإسهامات، لا يمكن أن نعتبرها فقط باحثة في سوسيولوجيا النوع الاجتماعي، بل يمكن أن نعتبرها مفكرة اجتماعية. فهي لا تحلل الواقع فقط، بل تتدخل في فهمه، وتضع أمام المجتمع سؤالًا حاسمًا: هل نريد أن نعيش تحت تصورات جاهزة عن أنفسنا؟ أم نريد أن نعيد بناء هويتنا من داخلنا؟

ومن الجميل في شخصيتها أنها لم تكتفِ بالبحث داخل الجدران الأكاديمية، بل تجاوزت ذلك لتكون مدربة في مهارات التواصل، مما يعكس أن اهتمامها ليس فقط بفهم المجتمع، بل بتطوير قدرات الإنسان على التواصل وفهم الآخر. وهذا ينسجم تمامًا مع طابعها الإنساني: فهي تعتقد أن المعرفة لا تتحقق إلا عندما تصبح قابلة للتواصل، وأن الحوار هو طريق التغيير الحقيقي.

وفي النهاية، تبقى الدكتورة نادية لمودي رمزًا للمرأة المغربية التي لا تكتفي بأن تكون جزءًا من الواقع، بل تسعى لتفكيكه وتحليله وفهمه، ثم إعادة بناءه بشكل أعمق. هي ليست فقط أستاذة أو باحثة، بل هي قوة علمية تُعيد تشكيل الوعي، وطيبة إنسانية تُشعرك بأن العلم يمكن أن يكون أيضًا رحمة.

وهكذا، تظل نادية لمودي أيقونة حقيقية في السوسيولوجيا المغربية، لا لأنها تحمل لقب “دكتورة” فحسب، بل لأنها تحمل روح الباحثة التي تحب العلم، وتؤمن به، وتقدّمه للآخرين كهدية، وتجعل من المعرفة طريقًا للتغيير الحقيقي.

وهكذا، تبقى الدكتورة نادية لمودي رمزًا للعلم الذي يلمس الإنسان، وللإنسانة التي تُعلّمنا أن نحب المعرفة بصدق، ونعيشها بكرامة.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث