لم تعد المخاطر التي تهدد أبناءنا تقتصر على الأزقة والشوارع، بل أصبحت تتسلل بنعومة عبر شاشات الهواتف الذكية التي بين أيديهم. فقد تحولت ألعاب الفيديو والتطبيقات الإلكترونية لدى فئة واسعة من المراهقين والقاصرين إلى جلسات قمار مفتوحة على مدار الساعة فرهان بضعة دراهم سرعان ما يتحول إلى إدمان قهري يلتهم المصروف الشخصي ويهدد الاستقرار النفسي والأسري، في ظل غياب شبه تام للرقابة التقنية والتوعية الكافية. تعتمد منصات الرهان غير المؤطرة على خوارزميات مدروسة بعناية تستهدف عقول الشباب مخفيةً المخاطر وراء شعارات تعد بالربح والثراء السريع وتتوزع النتائج المترتبة على هذه الظاهرة عبر عدة مستويات نفسية وسلوكية حادة. كما يوضح في هذا السياق أحد الأخصائيين في العلاج النفسي والإدمان السلوكي : أن ما يحدث لعقل المراهق عند الدخول في عالم الرهانات الإلكترونية يشبه تماماً تأثير المواد المخدرة فاللعبة تمنحه جرعات متتالية وسريعة من الدوبامين مع كل ‘ربح وهمي’، مما يجعل العقل يعتاد هذه النشوة الحادة وعند بداية الخسارة يدخل المراهق في دورة القلق والإنكار ليتطور الأمر إلى ‘إدمان قهري’ يدفعه للسهر والانعزال وتدني التحصيل الدراسي. وتتحول رغبة تعويض الخسارة إلى هاجس يومي يدمّر صحته النفسية والاجتماعية.” يؤدي هذا الإدمان بالمراهق إلى مواجهة ضغوطات مالية حادة تضطره في كثير من الأحيان إلى اللجوء إلى الكذب والسرقة من أموال الأسرة أو الاقتراض من الأقران لتغطية خسائره. كما يفتح الباب لتسريب المعطيات الشخصية والمالية لشبكات وتطبيقات غير معروفة المصدر تعتمد على وسائل دفع غير آمنة ومشبوهة. فمن الناحية التشريعية، يثير استغلال القاصرين في هذه الألعاب أسئلة قانونية ملحة حول مسؤولية المنصات والمروجين كما يؤكد خبير في القانون الرقمي أن القوانين والتشريعات تعاقب صراحة على ممارسة القمار غير الترخيصي وتسهيل وصول القاصرين إليه. ان الأزمة الحقيقية تكمن في كثرة التطبيقات الأجنبية العابرة للحدود التي تعمل في المنطقة الرمادية. لكن الجانب القانوني واضح بشأن ‘المؤثرين’ والمروجين فتسويق هذه التطبيقات للقاصرين وحثهم على الرهان يُعد مشاركة صريحة في جريمة النصب والتغرير بقاصر، و يستوجب المتابعة القضائية لحماية الأفراد والمال العام من الاقتطاعات غير المشروعة.” لذلك فالتصدي لهذه الظاهرة المتنامية يتطلب تعبئة شاملة تتوزع فيها الأدوار بين مختلف الفاعلين :الأسرة : هي العمود الأساسي عليها تفعيل برامج الحماية و تتبع المحافظ الإلكترونية للأبناء، وفتح باب الحوار والتوعية بخدع الخوارزميات.اما المؤسسات التعليمية عليها في أبسط الحالات تنظيم ورشات عمل للتوعية بالمخاطر الرقمية، وتوفير مراكز استماع ودعم نفسي للتشخيص المبكر.كما يجب على السلطات التنظيمية والتقنية حجب المنصات والمواقع غير المرخصة وتجريم الترويج الإشهاري للرهانات الموجهة للقاصرين.إن الوقوف في وجه ظاهرة القمار الإلكتروني ليس مجرد مسؤولية فردية، بل واجب مجتمعي يستدعي أعلى درجات اليقظة لحماية مستقبل الأطفال والمراهقين من السقوط في شباك الإدمان الرقمي.
الرهانات الرقمية تُحاصر القاصرين عندما تهدد الشاشات مستقبل أطفالنا


Comments
0