الزي الصحراوي المغربي هوية تحكيها الذاكرة والتاريخ - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الزي الصحراوي المغربي هوية تحكيها الذاكرة والتاريخ

IMG-20260104-WA0040

يعد الزي الصحراوي المغربي رمزا حيا من رموز الهوية الثقافية والفنية لقبائل الصحراء المغربية، ومعيارا محددا لثقافة مجتمع البيضان. تناقلته الأجيال عبر قرونٍ خلت، ويحمل في تصاميمه وأشكاله وأنواعه وألوانه أسرارا وخصوصياتٍ وقصصًا تختزل تاريخا موغلا في القِدم. وُلد هذا الزي من رحم قساوة الظروف المناخية والحياة التي عاشها الإنسان الصحراوي، والبيئة التي فُرضت عليه، إذ إن الحاجة أمّ الاختراع وسببه.

استمد الزي الصحراوي هندسته وتفاصيله الأساسية من المجال المترامي من حوله. فطول الملحفة عند النساء، الذي قد يبلغ أربعة أمتار وستين سنتيمًا تقريبًا، وطول الدراعة عند الرجل، الذي يبلغ عشرة أمتار وأكثر حسب طول الرجل، لم يأتِ اعتباطيًا، بل هو العلاقة الدياليكتيكية المبنية على التأثير والتأثر بين الإنسان والمجال؛ حيث يتجسّد وعي الإنسان ومهارته في التكيّف مع المحيط، وتنامي الإبداع والمهارة في جعل الزي وسيلة للحماية من الحر الشديد، والعجاج، والعواصف الرملية، وفي الآن ذاته وسيلة آمنة للحماية من صقيع الليالي.

تجاوز الزي الصحراوي، الملحفة والدراعة، أدواره التقليدية التي فُرضت على مجتمعات البدو والرحل قديما، ليصبح فيما بعد أداة من أدوات التبادل التجاري مع بعض شعوب إفريقيا، في مرحلةٍ لم تكن فيها مجتمعات البدو تعرف العملات النقدية، حيث تعاملوا بوحدة البيصة (وهي وحدة من القماش) والنيكة (وحدة من نسيج السودان). كان التبادل مقابل أشياء مختلفة، منها على سبيل الذكر لا الحصر: الذهب، والملح، وصغار الماشية، وهو ما يعزّز فكرة تثمين الزي الصحراوي عبر مختلف المراحل التي مر منها.

ليتحول اليوم إلى سمات تعكس تفاصيل مختلفة يتفق عليها قبائل الصحراء، ويمكن التفطن إليها منذ الوهلة الأولى. فالملحفة عند النساء تتجاوز الوظيفة الأساسية المتجسّدة في الستر والحشمة والوقار، إلى وسيلة تعكس المستوى المعيشي والتصنيف المجتمعي من خلال نوعها وشكلها وثمنها. فمن أشهر الملاحف: الشكّة التي تتميز بثوبها الرقيق، وملحفة الصواري التي ينحصر دورها في الحضور للسهرات، وملحفة القصيري التي تُعتبر الأجود، والتي قد يتراوح ثمنها ما بين مبلغ 600 درهم و1000 درهم. وهناك أنواع أخرى يمكن أن يتعدّى ثمنها 5000 درهم، حيث إنها تُصنع من مادة الحرير الخالص، والتي يُستورد أغلبها من الإمارات العربية المتحدة، أو من موريتانيا، أو من الهند.
وتحرص النساء الصحراويات على التألّق في المناسبات (الأعراس والسهرات) بارتداء ملحفات من المستوى الجيّد، والحرص على الالتزام بصيحات الموضة، كملاحف حريم السلطان وملاحف الملكة وغيرها. فالانتماء الاجتماعي للمرأة الصحراوية في الغالب ما يُعرف من نوعية الملحفة التي ترتديها، فهذا يبقى مؤشرا كافيا للتعرف على الوسط الاجتماعوحدة واحدة. وأيضا قد تتعداها إلى معرفة الحالة الاجتماعية؛ فالمرأة المتزوجة تميل إلى الملاحف الداكنة والموحدة اللون، أما غير المتزوجة فتميل إلى الألوان المفتوحة والملاحف المزركشة بالألوان. وحتى طريقة ارتداء الملحفة قد تشي ببعض التفاصيل والجزئيات التي يمكن أن تميّز من خلالها ذلك.
أما عن الدراعة الرجالية، فهي الأخرى تحمل إشارات يمكن من خلالها تحديد المستوى المعيشي، وأيضًا الفئة العمرية لصاحبها من خلال نوعها ولونها، إذ تختلف أنواع “الدراعة” باختلاف جودة الثوب، ونوع الخياطة، ونوع الطرز والزركشة المستعملة في تصميمها. وتُعتبر تلك المخاطة من ثوب “بَزّان” الأكثر انتشارا، إضافة إلى دراعة “بلمان”، وهو اسم الثوب المصبوغ باللون الأسود، وهذا النوع يحتكره الميسورون وقليل الانتشار في الأقاليم الجنوبية. ونوع آخر اسمه دراعة “باخة” نسبةً إلى نوع الثوب الذي تُخاط منه، بالإضافة إلى “الشكّة”، وهي دراعة رقيقة تُستعمل في الجو الحار. تزخر الثقافة الحسانية بالكثير من الأنواع الأخرى مثل أزبي والدولار وغيرها، لا يتسع المجال لذكرها.
ولكل “دراعة” زمان ومكان خاصّان بها؛ فمثلا “بلمان” و“باخة” تُصمّمان باليد، وترتبطان بمناسبات محدّدة كالأعراس والأعياد، ويختص بها الأعيان والشيوخ. ويختلف ثمنها هي الأخرى بحسب النوع والخياطة والطرز، ويبدأ سعرها من 1000 درهم إلى مبالغ باهظة.
وتُعتبر موريتانيا أكبر الموردين لهذه الأزياء التي لا يمكن أن يستغني عنها الإنسان الصحراوي في الجنوب المغربي، إذ يعتبرها جزءا لا يتجزأ من هويته وانتمائه. ويتفنن الموريتانيون في اختيار الأقمشة والأثواب مثل الملف، والتفل، والسّاية، واختيار الألوان التي يُعتبر من أهمها تلك المستخرجة من نبتة النيلة الصحراوية، التي تُستعمل في تنظيف وعلاج البشرة وحتى تبييضها. ويختص في صناعة هذا الزي الرجال والنساء على حد سواء، حيث إن هذه العملية تتطلب الدقة والخبرة المتوارثة من الأجداد، للوصول إلى قطعة فنية تعبر عن الهوية الثقافية المشتركة بين المملكة المغربية وبعض دول إفريقيا.
الزي الصحراوي المغربي يتجاوز المفهوم التقليدي للباس كوسيلة للستر والتعبير عن كون المجتمع محافظا ومحتشما بحكم الموروث القديم والأعراف والتقاليد، إلى تحف فنية تُبرز مهارة الصانع التقليدي وبراعته في تحويل القماش إلى لوحة فنية باستعمال الطرز والألوان، ووسيلة تعبير عن اختلاف المستويات المادية للأفراد، ومن خلالها إضفاء الطابع الجمالي على مختلف المناسبات والاحتفالات والأعياد. ليبقى الزيّ الصحراوي المغربي جزءا مهما في الثقافة الحسانية، التي هي رافد من روافد الهوية المغربية، يحمل بين طياته رسالة جيل لجيل، عنوانها: المغرب في صحرائه، والصحراء في مغربها.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث