الساعة الإضافية… تفكيك لقرار سياسي اقتصادي يفتح ملفّ الثقة بين المواطن والمؤسسات - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

الساعة الإضافية… تفكيك لقرار سياسي اقتصادي يفتح ملفّ الثقة بين المواطن والمؤسسات

تصميم بدون عنوان

لم يكن ما صدر عن عبد الرحيم بوعيدة مجرد تعليق عابر على قرار تقني بإضافة ستين دقيقة إلى التوقيت القانوني، بل حمل في جوهره تفكيكًا معمقًا لبنية قرار سياسي–اقتصادي، تمتد انعكاساته إلى تفاصيل الحياة اليومية لأكثر من أربعين مليون مغربي. فما قيل في تلك الدقائق القليلة، إذا ما أعيد تركيبه وتحليله كلمةً كلمة، يفضي إلى أن الأمر لا يتعلق بمجرد “ساعة إضافية”، بل بنموذج للتدبير العمومي يثير أسئلة جوهرية حول منطق اتخاذ القرار، وتوزيع أعبائه، والفاعل الذي يتحمل تبعاته فعلًا.

منذ اللحظة الأولى، حين استهلّ بوعيدة حديثه بعبارة قريبة من وجدان الناس: “كرهتوا لفتة الساعة”، لم يكن يخاطب إحساسًا شعبيًا بالضيق فحسب، بل أسس لفرضية مركزية مؤداها وجود فجوة بين القرار العمومي والإحساس الجماعي. وهذه الفجوة ليست مستجدة، لكنها في حالة الساعة الإضافية تبدو أكثر وضوحًا لمساسها بإيقاع الحياة اليومي المباشر: النوم، والاستيقاظ، والعمل، والدراسة، وحتى العلاقات الأسرية.

الساعة: أداة اقتصادية أم عبء اجتماعي؟

برّرت الحكومة اعتماد الساعة الإضافية باعتبارات اقتصادية، من قبيل ترشيد استهلاك الطاقة، وتحسين الإنتاجية، والتوافق مع الشركاء الأوروبيين. بيد أن بوعيدة قلب هذه المعادلة باقتراح فكرة بسيطة لكنها عميقة: إذا كانت هذه الساعة تخدم الاقتصاد، فلتُحصر في فضاءاته (الشركات، البنوك، المعامل)، ولا تُفرض على المدرسة والمرفق العمومي.

هذا الطرح يفتح بابًا مهمًا في تحليل السياسات العمومية: هل يمكن تفكيك القرار بدل تعميمه؟ وهل من العدل فرض الإيقاع الزمني نفسه على فئات تعيش ظروفًا حياتية متباينة جذريًا؟ هنا يظهر أول خيط في التحليل، وهو مواجهة “وحدة القرار” بـ “تنوع الواقع”.

الساعة البيولوجية: العلم في مواجهة القرار السياسي

حين انتقل بوعيدة للحديث عن “الساعة البيولوجية”، لم يكن يستعرض مفهومًا علميًا من باب الزينة، بل كان يضرب في عمق شرعية القرار. فالساعة البيولوجية – كما هو ثابت في الأدبيات العلمية – تنظم إفراز الهرمونات، وأبرزها الميلاتونين (هرمون النوم) والكورتيزول (هرمون التوتر). وأي اختلال في هذا النظام يؤدي إلى اضطرابات النوم، وضعف التركيز، وارتفاع مستويات القلق.

تشير الدراسات الدولية، بما في ذلك أبحاث منشورة في مجلات مثل Sleep Medicine وJournal of Clinical Endocrinology، إلى أن تغيير التوقيت، ولو بساعة واحدة، يمكن أن يتسبب في:

· ارتفاع ملحوظ في حوادث السير خلال الأيام الأولى.

· تراجع الأداء المعرفي لدى التلاميذ.

· اضطرابات في النوم قد تمتد لأسابيع.

· ارتفاع طفيف في أمراض القلب المرتبطة بالإجهاد.

لخص بوعيدة هذه المعطيات بلغة بسيطة: “كتسبب تعب وإرهاق وضعف في التركيز”، لكنه في الحقيقة كان يستدعي خلفية علمية واسعة، ويضع الحكومة أمام سؤال صعب: هل تم تقييم الأثر الصحي قبل إقرار القرار؟

الأطفال في الواجهة: حين يتحول القرار إلى خطر

كان من أبرز محطات الطرح الانتقال إلى الحديث عن الأطفال، لا سيما في العالم القروي، حيث تحول النقاش من نظري إلى صورة ملموسة: طفل يستيقظ قبل شروق الشمس، يسير في الظلام، يقطع كيلومترات، ويواجه البرد والمخاطر.

وهذا التصوير ليس دراميًا بقدر ما هو واقع موثق في تقارير وطنية تشير إلى:

· أن نسبة كبيرة من تلاميذ القرى يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المدرسة.

· غياب النقل المدرسي في مناطق شاسعة.

· ارتفاع معدلات الهدر المدرسي في الوسط القروي.

في هذا السياق، لا تعد الساعة الإضافية مجرد تعديل زمني، بل عامل ضغط إضافي قد يدفع المزيد من الأطفال إلى الانقطاع عن الدراسة. وهنا يطرح بوعيدة سؤالًا ضمنيًا خطيرًا: هل نحارب الهدر المدرسي بسياسات مدروسة، أم نساهم فيه بقرارات غير محكمة؟

الفوارق الاجتماعية: من يملك القدرة على التكيف؟

يمضي التحليل أبعد من الطفل القروي، إذ يلمح إلى انقسام صامت داخل المجتمع:

· في المدن: أسر تملك سيارات، ومدارس خاصة، وتوقيتًا مرنًا.

· في القرى: أطفال في الظلام، ونقل هش، وظروف قاسية.

تكشف الساعة الإضافية هنا عن “لا مساواة زمنية”، فليس كل المغاربة يعيشون الساعة نفسها، رغم توحيد عقاربها. وهذا بحد ذاته مؤشر على خلل في تصور السياسات العمومية التي تفترض تجانس المجتمع بينما الواقع يؤكد العكس.

من الساعة إلى المحروقات: الربط الذي يكشف الصورة الكبرى

لم يقف الطرح عند حدود التوقيت، بل انتقل إلى ملف المحروقات، في انتقال مقصود يؤكد أن الإشكال ليس في “ساعة”، بل في “منهج”.

فارتفاع أسعار المحروقات، كما أشير إليه، ينعكس مباشرة على:

· النقل (زيادة أجرة الطاكسي والحافلات).

· المواد الغذائية (الخضر، اللحوم، الفواكه).

· القدرة الشرائية عمومًا.

والمفارقة التي أثيرت بحدة: الأسعار ترتفع بسرعة، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها. وهذه الظاهرة الاقتصادية تعرف بـ”المرونة غير المتكافئة للأسعار”، وهي موثقة عالميًا، لكنها في المغرب تبدو أكثر حدة بسبب تعدد الوسطاء وغياب رقابة فعالة.

مقارنة مع إسبانيا: نموذج بديل أم ورقة ضغط؟

كان استحضار التجربة الإسبانية يهدف إلى إبراز خيار سياسي مختلف:

· إسبانيا خفّضت الضرائب على الطاقة.

· المغرب اعتمد على دعم مهنيي النقل.

والنتيجة، وفق الطرح، أن المواطن الإسباني شعر بالتخفيف، بينما المواطن المغربي لم يلمس أثرًا واضحًا. وهذا يفتح نقاشًا حول فعالية السياسات العمومية: هل الدعم المباشر كافٍ، أم أن الإصلاح الضريبي أكثر تأثيرًا؟

تضارب المصالح: النقطة الأكثر حساسية

في لحظة مفصلية، يصل النقاش إلى أخطر نقطة: علاقة السياسة بالاقتصاد. فالإشارة إلى كون رئيس الحكومة فاعلًا اقتصاديًا في قطاع المحروقات تطرح إشكالية بنيوية تتعلق بتضارب المصالح.

السؤال هنا ليس اتهاميًا بقدر ما هو إشكال هيكلي:

· هل يمكن لصانع القرار أن يكون محايدًا إذا كانت له مصلحة مباشرة؟

· كيف يمكن إقناع المواطن بقرارات تمس الأسعار في ظل شبهة استفادة؟

هذه النقطة تحديدًا تمس الثقة، وهي رأس المال الحقيقي لأي حكومة.

الاقتصاد غير المنظم: الحلقة المفقودة

لم يغفل الطرح جانب تعدد الوسطاء في سلاسل التوزيع، حيث تمر السلع من الفلاح إلى المستهلك عبر شبكة معقدة من الوسطاء، ما يرفع الأسعار بشكل غير مبرر.

مثال بسيط ورد في الطرح: منتج بثمن درهمين يصل إلى المستهلك بخمسة عشر درهمًا.

هذا الفرق لا يمكن تفسيره فقط بارتفاع المحروقات، بل بوجود اقتصاد غير منظم يستفيد من غياب الضبط. وهنا يُلمح إلى مسؤولية جماعية، لا تقع على الحكومة وحدها، بل تشمل بنية السوق أيضًا.

البعد النفسي: التوتر عنوان المرحلة

من خلال الحديث عن الكورتيزول والتوتر، فتح الطرح بعدًا غالبًا ما يُهمل، ألا وهو الصحة النفسية. فالمواطن الذي يعيش:

· ضغطا زمنيًا (الساعة).

· ضغطًا ماليا (الأسعار).

· ضغطًا اجتماعيًا (البطالة).

هو مواطن مهدد بفقدان التوازن النفسي، وما يترتب على ذلك من انعكاسات على الإنتاجية والعلاقات والاستقرار الاجتماعي.

الدعوة إلى التقييم: غياب الحلقة الأساسية

لعل أبرز ما ورد في الطرح هو الدعوة إلى “تقييم التجربة”. فالمغرب اعتمد الساعة الإضافية لسنوات، غير أن التساؤلات تبقى قائمة:

· هل هناك تقرير رسمي شامل عن آثارها؟

· هل قيست آثارها على التعليم والصحة والاقتصاد؟

غياب هذا التقييم يجعل القرار يبدو وكأنه “اختيار دائم دون مراجعة”، وهو ما يتعارض مع منطق الحكامة الجيدة.

الخلاصة: أزمة قرار أم أزمة نموذج؟

عند جمع خيوط الطرح كافة، تبرز نتيجة واضحة: نحن أمام أزمة نموذج في تدبير السياسات العمومية. فالساعة الإضافية ليست المشكلة، بل:

· طريقة اتخاذ القرار.

· غياب التقييم.

· ضعف التواصل.

· عدم مراعاة الفوارق الاجتماعية.

· وتداخل المصالح.

بوعيدة لم يكن هدفه مجرد “تشفية الغليل”، بل وضع مرآة أمام واقع معقد، تتقاطع فيه الساعة البيولوجية مع الساعة السياسية، ويتحول الزمن من أداة تنظيم إلى مصدر توتر.

خاتمة منورة للرأي العام:

وفي ختام هذا الطرح، يبقى السؤال الأعمق مطروحًا بقوة: هل الزمن في المغرب يُدار لخدمة الإنسان والمصلحة العامة، أم أنه يخضع لمنطق القرارات المركزية التي تتجاهل تنوع الحالات وتفاصيل الحياة اليومية؟

إن البحث عن الحقيقة الكاملة في هذه القضية، وغيرها من السياسات العمومية، يستدعي فتح النقاش في الصحف والمنابر الإعلامية بكل شفافية وموضوعية، بعيدًا عن التسييس أو المزايدة، حتى تظل ثقة المواطن في مؤسساته ركيزة لا تمس، وتظل الحكامة الرشيدة هدفًا تسعى إليه البلاد بثبات.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث