دخل المغرب مرحلة جديدة في مسار إصلاح تدبير المرافق العمومية المرتبطة بتوزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، من خلال إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات، في إطار تنزيل مقتضيات القانون رقم 83.21، الذي يروم إرساء نموذج جديد للتدبير على المستوى الجهوي، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين في هذه القطاعات الحيوية.
ويستند هذا الورش الإصلاحي إلى المرسوم رقم 2.23.1033 الصادر بتاريخ 19 فبراير 2024، المتعلق بتطبيق المادة الثانية من القانون رقم 83.21، والذي حدد مراحل إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات على امتداد التراب الوطني، إلى جانب المرسوم رقم 2.23.1034 الذي أذن بإحداث اثنتي عشرة شركة جهوية متعددة الخدمات، وفق توزيع ترابي ورأسمال محدد لكل شركة.
12 شركة جهوية لتدبير المرافق الحيوية
ينص التنظيم الجديد على إحداث شركة جهوية متعددة الخدمات على مستوى كل جهة، بمبادرة من الدولة، لتتولى تدبير عدد من المرافق المرتبطة بالخدمات الأساسية، وفي مقدمتها توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل، فضلا عن الإنارة العمومية عند الاقتضاء.
وقد تم تحديد إحداث هذه الشركات عبر ثلاث مراحل، تشمل المرحلة الأولى جهات الشرق والدار البيضاء-سطات ومراكش-آسفي وسوس-ماسة، فيما تضم المرحلة الثانية جهات طنجة-تطوان-الحسيمة وفاس-مكناس والرباط-سلا-القنيطرة وبني ملال-خنيفرة.
أما المرحلة الثالثة فتشمل جهات درعة-تافيلالت وكلميم-واد نون والعيون-الساقية الحمراء والداخلة-وادي الذهب، بما يهدف إلى تعميم هذا النموذج على مختلف جهات المملكة.
رأسمال الشركات وتوزيع المساهمات
حدد المرسوم رقم 2.23.1034 رأسمال الشركات الاثنتي عشرة، مع اعتماد توزيع للمساهمات يجمع بين الدولة والجماعات الترابية والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.
وبحسب المقتضيات الواردة في المرسوم، تتوزع المساهمات في الرأسمال الأولي على الشكل التالي:
- الدولة: 25 في المائة.
- الجماعات الترابية ومجموعاتها، مجتمعة: 50 في المائة.
- المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب: 25 في المائة.
وتتفاوت قيمة الرأسمال الأولي بحسب كل جهة، حيث حددت في 200 مليون درهم بجهة الدار البيضاء-سطات، و300 مليون درهم بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، و250 مليون درهم بجهة بني ملال-خنيفرة، فيما حددت في 150 مليون درهم بجهتي سوس-ماسة والرباط-سلا-القنيطرة، و100 مليون درهم في عدد من الجهات الأخرى، مع بلوغ رأسمال الشركات الاثنتي عشرة مجتمعة ملياري درهم.
نقل الممتلكات والموارد المرتبطة بالتدبير
ومن بين الجوانب التنظيمية المهمة لهذا الإصلاح، المرسوم رقم 2.23.1035 الصادر بتاريخ 19 فبراير 2024، المتعلق بتطبيق المادة 14 من القانون رقم 83.21، والذي يحدد الإجراءات المرتبطة بنقل العقارات والمنقولات المخصصة لمرافق توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل.
وينص هذا الإطار على نقل الممتلكات المعنية إلى الجماعات الترابية، عند إبرامها عقود التدبير مع الشركات الجهوية متعددة الخدمات، مع إخضاع العملية لإجراءات الجرد والمعاينة وإعداد محاضر رسمية، بحضور ممثلي الجهات والمؤسسات المعنية.
كما يتضمن المرسوم مقتضيات تتعلق بالتعويض عن الممتلكات المنقولة، وتحويل بعض الديون والالتزامات المالية المرتبطة بقطاع توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، فضلا عن المساهمات المتعلقة بالأعمال الاجتماعية لفائدة المستخدمين المعنيين.
رهان تحسين الخدمات وتعزيز الحكامة الجهوية
يرتكز هذا التحول المؤسساتي على تجميع تدبير عدد من الخدمات الأساسية ضمن إطار جهوي موحد، بما يتيح تنسيق التدخلات وتدبير الموارد والإمكانات المتاحة بصورة أكثر تكاملا، مع مراعاة الخصوصيات والحاجيات المحلية لكل جهة.
غير أن نجاح هذا النموذج لن يقاس فقط بإحداث الشركات وتحديد رأسمالها وهياكلها التنظيمية، بل بمدى انعكاسه الفعلي على حياة المواطنين، خصوصا من حيث استمرارية التزود بالماء والكهرباء، وجودة خدمات التطهير، وسرعة معالجة الشكايات، وتحسين التدخلات التقنية، وضمان عدالة مجالية في الاستفادة من الخدمات.
كما تبرز أهمية مواكبة هذا التحول بتواصل واضح مع المواطنين، وتوضيح طبيعة العلاقة بين الشركات الجديدة والجماعات الترابية، وضمان الشفافية في التدبير المالي والإداري، مع الحفاظ على حقوق المستخدمين والمرتفقين.
إصلاح مؤسساتي أمام اختبار النجاعة
يمثل إحداث الشركات الجهوية متعددة الخدمات تحولا مهما في طريقة تدبير المرافق الأساسية بالمغرب، ويضع الجهات أمام مسؤولية جديدة في مواكبة هذا النموذج وتقييم أدائه.
وبين الأهداف المعلنة لهذا الإصلاح وانتظارات المواطنين، يبقى الرهان الأساسي هو الانتقال من إعادة تنظيم المؤسسات إلى تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع، تجعل من جودة الخدمات واستمراريتها والإنصاف في توزيعها المعيار الحقيقي لنجاح هذا الورش الوطني.


Comments
0