هند بومديان
مع اقتراب كل محطة انتخابية، يتغير إيقاع الحياة داخل العديد من الأحياء والمناطق الهامشية. فجأة، تظهر جمعيات لم يكن لها أثر يُذكر، تنظم أنشطة متتالية، توزع مساعدات، وتؤطر مبادرات اجتماعية مكثفة. هذا الحضور المفاجئ لا يمكن فصله عن السياق السياسي، حيث يتحول العمل الجمعوي، في بعض الحالات، إلى أداة ناعمة تخدم رهانات انتخابية.
في الأصل، وُجدت الجمعيات لتكون تعبيرًا عن روح التضامن والمبادرة الحرة، بعيدًا عن الحسابات الحزبية. لكن ما يحدث في بعض التجارب يطرح إشكالًا حقيقيًا: حين تفقد الجمعية استقلاليتها، وتصبح امتدادًا غير معلن لتيار سياسي، فإنها تنتقل من خدمة المجتمع إلى التأثير عليه وفق أجندة محددة.
اللافت أن هذه الجمعيات لا تكتفي بالعمل الخيري، بل تُحسن اختيار توقيت تدخلاتها. فهي تنشط بكثافة قبيل الانتخابات، حيث تكثر القوافل الطبية، وحملات الدعم، والأنشطة الثقافية والاجتماعية. كل ذلك يُقدَّم في قالب إنساني، لكنه غالبًا ما يُستثمر لبناء قاعدة تعاطف تُترجم لاحقًا في صناديق الاقتراع.
هذا الواقع يطرح تحديًا مزدوجًا: من جهة، يسيء إلى مصداقية العمل الجمعوي ويُفرغه من قيمه، ومن جهة أخرى، يخلّ بتوازن التنافس السياسي، إذ يمنح أفضلية غير معلنة لمن يمتلك هذه الواجهات المدنية.
الأمر لا يتعلق بالتشكيك في كل المبادرات، فهناك جمعيات تشتغل بجدية واستمرارية، بعيدًا عن أي توظيف سياسي. لكن الإشكال يكمن في ذلك التداخل الضبابي الذي يجعل من الصعب التمييز بين العمل النزيه والعمل الموجَّه.
إعادة الأمور إلى نصابها تتطلب وضوحًا أكبر في العلاقة بين الجمعيات والفاعلين السياسيين، وتفعيل آليات الرقابة، إلى جانب تعزيز وعي المواطنين بطبيعة هذه الممارسات. فالمجتمع المدني لا يجب أن يكون موسمًا انتخابيًا، بل ركيزة دائمة للتنمية والتضامن.
وفي ظل هذا المشهد، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن أمام حيوية مدنية متجددة، أم أمام إعادة تدوير للأدوات السياسية في قالب اجتماعي؟
الإجابة ليست في الخطاب، بل في الاستمرارية والنية الحقيقية وراء الفعل.



Comments
0