تمرّ مدينة القصر الكبير هذه الأيام بواحدة من أصعب المحن في تاريخها الحديث، بعد أن حاصرتها الفيضانات وارتفع منسوب مياه واد اللوكوس إلى مستويات غير مسبوقة، ما خلف حالة من الخوف والهلع وسط الساكنة، ونزوح عدد من الأسر، وتعطل مظاهر الحياة اليومية بشكل شبه كلي.

منذ الساعات الأولى لارتفاع منسوب المياه، بدت المدينة وكأنها تقف على حافة الكارثة. هواتف لا تتوقف عن الرنين، أسر تبحث عن ملاذ آمن، وأحاديث لا تنتهي عن “السلامة قبل كل شيء”. مقاهي المدن أخرى تحولت إلى فضاءات قلق جماعي، حيث لا يُسمع سوى الدعاء والاتصال بالأقارب، في مشهد يلخص الحالة النفسية المنهارة لساكنة تخشى القادم أكثر مما تعيش الحاضر.
في خضم هذه المحنة، تحركت السلطات المركزية ميدانياً، حيث حلّ وزير الداخلية بالقصر الكبير للإشراف على عمليات الإنقاذ وتدبير الأزمة، في وقت باشرت فيه القوات المسلحة الملكية والوقاية المدنية والدرك الملكي تدخلات متواصلة، شملت إجلاء العالقين، إقامة حواجز وقائية، وتجهيز مراكز إيواء مؤقتة بالخيام والمرافق الصحية، خصوصاً بالمناطق التي تم إخلاؤها احترازياً.

كما تم اعتماد إجراءات استثنائية لتأمين تنقل الساكنة، أبرزها إعلان المكتب الوطني للسكك الحديدية عن مجانية التنقل عبر القطارات انطلاقاً من القصر الكبير نحو جميع الاتجاهات، مع تخصيص رحلات متتالية نحو مدن آمنة، في خطوة لقيت ارتياحاً كبيراً واعتُبرت نموذجاً للتدخل الاستعجالي المسؤول.
في المقابل، فجّرت الأزمة سلوكيات صادمة، بعدما استغل بعض أصحاب سيارات الأجرة الكبيرة الوضع لفرض تسعيرات خيالية على المواطنين الفارين بأسرهم من الخطر، حيث قفزت تعريفة القصر–طنجة إلى أرقام غير معقولة، في مشاهد وصفتها الساكنة بـ”قمة الجشع واستغلال الأزمات”، وهو ما أعاد إلى الواجهة مطلب فتح ملف أخلاقيات النقل ومحاسبة كل من تاجر بخوف الناس.

أما على مستوى أسباب الفيضانات، فيجمع عدد من المتتبعين والخبراء المحليين على أن مدينة القصر الكبير، بحكم موقعها الجغرافي كمنطقة سهلية منبسطة، ومحاصرتها من نهر اللوكوس وقربها من سد واد المخازن، تظل بطبيعتها عرضة للفيضانات، خاصة مع امتلاء السد والنهر معاً، ووجود فرشة مائية قريبة من سطح الأرض لم تعد قادرة على امتصاص كميات إضافية من المياه.

غير أن هذا المعطى الطبيعي لا يعفي، بحسب أصوات كثيرة، من مساءلة تدبير الموارد المائية والاستباق الوقائي، خاصة في ظل معطيات هيدرولوجية وتوقعات مناخية كانت تشير إلى حمولات قياسية مرتقبة، ما جعل مطالب إعلان القصر الكبير “مدينة منكوبة” تتعالى، باعتباره مدخلاً قانونياً وإنسانياً لجبر الضرر، وترتيب المسؤوليات، وضمان إنصاف المتضررين.
وسط كل هذا السواد، أضاءت قيم التضامن والتآزر وجهاً آخر للمغاربة، حيث تقاطرت المساعدات الغذائية والمفروشات إلى مراكز الإيواء، ليس باعتبارها “صدقات”، بل واجباً وطنياً وأخلاقياً. مغاربة يرددون في صمت: “ما عندنا غير بعضنا”، في مشهد يؤكد أن قوة هذا البلد تكمن، دائماً، في تلاحم شعبه وقت الشدة.
القصر الكبير اليوم تنزف، لكنها لا تنكسر. مدينة تعيش الخوف، نعم، لكنها تعيش أيضاً الأمل في أن تتحول هذه المحنة إلى درس حقيقي في الحكامة، والاستباق، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وبين أمطار الخير التي ما تزال متواصلة، لا شيء يعلو فوق دعاء واحد:
اللهم احفظ القصر الكبير وأهلها، واحفظ المغرب من كل سوء.


Comments
0