المجلس الوطني للصحافة بين منطق الضبط ورهانات التمثيلية: قراءة في مصادقة لجنة المستشارين على مشروع إعادة التنظيم - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

المجلس الوطني للصحافة بين منطق الضبط ورهانات التمثيلية: قراءة في مصادقة لجنة المستشارين على مشروع إعادة التنظيم

المجلس-الوطني-للصحافة-1

في خطوة تشريعية جديدة تهم تنظيم الحقل الإعلامي بالمغرب، صادقت لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين، بالأغلبية، على مشروع قانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، كما ورد من مجلس النواب. هذه المصادقة، التي جرت بحضور وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد، تعكس استمرار النقاش المؤسساتي حول مستقبل التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة وحدود تدخل المشرّع في ضبطها.

المعطيات الرقمية للمصادقة تكشف عن انقسام نسبي داخل اللجنة، حيث أيد المشروع ستة مستشارين مقابل معارضة خمسة، وهو ما يوحي بأن النص، رغم قبوله، لم يحظَ بإجماع سياسي أو نقابي. هذا المعطى يزداد دلالة إذا استحضرنا حجم التعديلات المقترحة، التي بلغت 139 تعديلاً، وتوزعت على مختلف الفرق البرلمانية والمركزيات النقابية، ما يعكس حساسية المشروع وارتباطه المباشر بتوازنات مهنية وحقوقية داخل قطاع الصحافة.

أحد أبرز محاور النقاش تمثل في مسألة الديباجة، حيث طالبت بعض الفرق بإدراجها قصد تأطير المشروع دستورياً وحقوقياً. غير أن رفض الوزير لهذا التعديل استند إلى منطق تقني تشريعي، مفاده أن النص يتعلق بإعادة تنظيم مؤسسة قائمة، وليس بإحداثها لأول مرة. هذا الموقف يعكس توجهاً حكومياً يفضل الاستمرارية القانونية على إعادة التأطير الرمزي للنص، وهو خيار قد يُقرأ على أنه تقني، لكنه لا يخلو من أبعاد سياسية تتعلق بكيفية تقديم الإصلاح للرأي العام والمهنيين.

كما شكلت تركيبة المجلس الوطني للصحافة نقطة ارتكاز أساسية في التعديلات، خاصة ما يتعلق بعدد الأعضاء، وطريقة انتخاب ممثلي الصحفيين والناشرين، وتمثيلية المؤسسات والهيئات. في هذا السياق، دافعت بعض المقترحات عن منطق التوسيع والتعدد، سواء عبر اعتماد نمط الاقتراع باللائحة أو رفع عدد الأعضاء، أو إدماج فئات جديدة مثل “الصحفيين الحكماء”. في المقابل، تمسك الوزير بصيغة يعتبرها أكثر انسجاماً مع متطلبات الفعالية والوضوح في المسؤولية، مؤكداً أن الاختيار الفردي يعزز المحاسبة المباشرة ويحد من منطق التكتلات.

قراءة موقف الحكومة من هذه التعديلات توحي بوجود تصور واضح يروم ضبط تركيبة المجلس في حدود عددية ووظيفية محددة، بما يضمن، وفق هذا التصور، توازناً بين التمثيلية والنجاعة. غير أن هذا الاختيار يظل محل نقاش، خاصة لدى الفاعلين النقابيين الذين يرون في التوسيع ضمانة لتعدد الأصوات وحماية أكبر لاستقلالية المهنة.

أما بخصوص مسطرة الوساطة والتحكيم، فقد أبدت الحكومة تشبثاً بالإطار القانوني العام المنظم لها، معتبرة أن الصيغة المقترحة في المشروع أكثر دقة وتنسجم مع القوانين الجاري بها العمل، مع التأكيد على الطابع الاختياري للتحكيم. هذا التوجه يعكس حرصاً على عدم إحداث مساطر موازية قد تُربك المنظومة القانونية أو تخلق تنازعاً في الاختصاصات.

في المجمل، تكشف المصادقة على مشروع قانون إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة عن مسار تشريعي يتسم بكثافة النقاش وتعدد الرؤى، دون أن يصل إلى توافق واسع. وبين منطق الحكومة القائم على النجاعة والضبط، ومنطق الفرق والنقابات المدافع عن التوسيع والتمثيلية، يظل الرهان الأساسي مرتبطاً بمدى قدرة هذا الإطار القانوني الجديد على تعزيز التنظيم الذاتي للمهنة، وضمان استقلالية الصحافة، مع احترام التوازن بين الحرية والمسؤولية في سياق إعلامي يتسم بتحولات متسارعة.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث