في خضم التحولات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط، يبرز المغرب كلاعب رئيسي لا يمكن تجاهله، مؤكداً مكانته كقوة إقليمية صاعدة تمزج بين الثقل الدبلوماسي والحضور الميداني الفاعل. فقد شكّلت المشاركة المغربية في اجتماع «مجلس السلام» بواشنطن، والالتزامات الخمسة لدعم غزة، محطة جديدة في مسار التموقع الاستراتيجي الذي رسخته الدبلوماسية المغربية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك .
تطور دبلوماسي: من الحياد إلى الفاعلية المؤثرة

شهدت الدبلوماسية المغربية خلال العقدين الأخيرين تحوّلاً نوعياً، انتقلت خلاله من موقع المتابع إلى صانع المبادرة. وقد تجلّى هذا التحول بوضوح في المشاركة المغربية باجتماع واشنطن، حيث لم يقتصر الدور على الحضور، بل تجاوزه إلى تقديم مبادرات ملموسة.
تمثيل وزير الشؤون الخارجية للمملكة، بتعليمات ملكية مباشرة وبصفته ممثلاً للمغرب رئيس لجنة القدس، يعكس ثقة دولية في الدور المغربي ووزناً سياسياً مستمداً من تاريخ طويل في الدفاع عن القضية الفلسطينية.
الانتقال من الخطاب السياسي إلى الأفعال الملموسة شكّل نقطة تحول جوهرية. فبينما كان الدعم العربي يقتصر في مراحل سابقة على البيانات والمواقف، يقدم المغرب اليوم نموذجاً عملياً يشمل مساهمة مالية في صندوق إعادة الإعمار، وإرسال عناصر أمن للمساهمة في حفظ النظام، وتعيين ضباط في القيادة الدولية، إضافة إلى مستشفى ميداني.
المستشفى الميداني: بصمة إنسانية بغطاء أمني
يعد إرسال مستشفى ميداني عسكري أبرز بنود الالتزام المغربي وأكثرها رمزية. فالمغرب راكم خبرة كبيرة في هذا المجال، إذ سبق أن أرسل مستشفيات ميدانية إلى عدة دول عربية وإفريقية، من فلسطين إلى غينيا كوناكري مروراً بالأردن.
الجديد في المبادرة الحالية هو إدراجها ضمن خطة أمنية دولية، ما يمنحها بعداً مزدوجاً: إنسانياً يخفف معاناة السكان، وسياسياً يعزز حضور المغرب في الترتيبات الأمنية الدولية.
السمعة الطيبة التي تحظى بها المستشفيات الميدانية المغربية، بفضل كفاءتها وسرعة انتشارها وحيادها، تمنح الرباط ورقة قوة إضافية. ففي وقت تعجز فيه منظمات دولية عن توفير تغطية صحية كافية في غزة، يقدم المغرب نموذجاً للتعاون جنوب–جنوب يعزز صورته كدولة مسؤولة وفاعلة.
العلاقات الدولية: توازن دقيق بين الشرق والغرب
تتجلى المكانة الدولية للمغرب في قدرته على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف حتى في أكثر الملفات حساسية. فالمشاركة في اجتماع واشنطن بتنسيق أمريكي واضح لم تمنع المغرب من الحفاظ على علاقاته مع شركائه الأوروبيين مثل و، وهو ما يعكس خبرة دبلوماسية متراكمة جعلت منه جسراً للتواصل بدل أن يكون تابعاً لأي محور.
كما كشفت تقارير إعلامية أمريكية، بينها صحيفة ، عن شبكة تعاون أمني إقليمي تضم عدداً من الدول العربية، ما يضع المغرب ضمن منظومة إقليمية للتصدي للتهديدات المشتركة مثل الإرهاب والتهديدات العابرة للحدود.
المكانة الإقليمية: قيادة بلا ادعاء زعامة
ما يميز الدور المغربي اليوم هو قدرته على القيادة دون ادعاء الزعامة. ففي وقت تتنافس فيه قوى إقليمية على موقع القيادة الرمزية، يقدّم المغرب نموذجاً عملياً قائماً على الفعل الميداني والالتزام بالقانون الدولي.
إعلان الاستعداد للمشاركة في قوة دولية لتحقيق الاستقرار، وتعيين ضباط كبار في القيادة المشتركة، يعكس ثقة المجتمع الدولي في الكفاءة المغربية ومهنيتها.
هذه المكانة لم تأت من فراغ، بل هي ثمرة سياسة خارجية متزنة امتدت لعقود، عززتها الشراكة الاستراتيجية مع ، والتعاون مع الاتحاد الأوروبي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والأمنية في إفريقيا والشرق الأوسط.
المغرب في قلب المعادلة الدولية
تعكس المشاركة المغربية في خطة إعادة إعمار غزة نموذجاً مصغراً للدور الذي تطمح إليه الرباط دولياً: حضور متوازن، مبادرات عملية، علاقات متعددة الأطراف، والتزام بالقانون الدولي.
المستشفى الميداني سيظل أيقونة لهذا الدور، لكن الأهم هو ما يمثله من تحول في مفهوم العمل العربي المشترك: من خطاب السياسة إلى سياسة الفعل.
اليوم، لم يعد المغرب مجرد بلد عربي يقدم دعماً رمزياً، بل شريكاً استراتيجياً في صياغة مستقبل المنطقة، يحظى بثقة الغرب واحترام الشرق، ويستثمر مكانته الدولية لخدمة القضايا العادلة دون التفريط في مصالحه الوطنية. وهذا التوازن الدقيق هو ما يصنع الفارق ويجعل التجربة المغربية نموذجاً يُحتذى في دبلوماسية القرن الحادي والعشرين.


Comments
0