شهدت أسعار الدجاج في المغرب خلال الأسابيع الأخيرة تراجعًا ملحوظًا، أعاد إلى الواجهة نقاشًا أوسع حول استقرار أحد أهم السلع المرتبطة بالأمن الغذائي للأسر المغربية. فبعد سنوات من التقلبات الحادة، وجد المستهلك نفسه أمام انخفاض غير معتاد في الأسعار، بينما وجد المربّون أنفسهم في مواجهة معادلة صعبة، حيث تحوّلت وفرة الإنتاج — التي كانت هدفًا استراتيجيًا للقطاع — إلى مصدر ضغط على هوامش الربح واستدامة الاستثمار.
يُجمع المهنيون على أن السبب الرئيسي لهذا التراجع يعود إلى فائض في الإنتاج مقارنة بحجم الاستهلاك. فقد رفعت الضيعات قدراتها الإنتاجية خلال الأشهر الماضية استجابة لمرحلة سابقة عرفت ارتفاعًا في الأسعار، غير أن الطلب لم يواكب هذا الإيقاع، خاصة مع تزامن الفترة مع عيد الأضحى، حيث يتحوّل جزء مهم من الإنفاق الأسري نحو اقتناء الأضاحي، مما يؤدي تقليديًا إلى انخفاض استهلاك لحوم الدواجن.
وتشير المعطيات المهنية إلى أن الإنتاج الأسبوعي من الكتاكيت يتراوح بين 12 و15 مليون كتكوت، في حين لا تتجاوز حاجيات السوق الوطنية في الظروف العادية نحو 9 ملايين كتكوت. وقد انعكس هذا الفائض على الأسعار، حيث تراوحت أثمان البيع داخل الضيعات بين 7 و13 درهمًا للكيلوغرام، مقابل تكلفة إنتاج تتراوح بين 15 و17 درهمًا، مما يعني أن المربين يبيعون حاليًا بخسارة فادحة.
غير أن الاقتصار على العامل الموسمي لا يقدّم تفسيرًا كاملاً. فالقطاع يعيش منذ سنوات حالة توسّع متواصل في الاستثمارات، سواء في وحدات التربية أو المفاقس أو مصانع الأعلاف، مدفوعًا بقناعة أن الطلب الداخلي سيواصل النمو مع تزايد عدد السكان وارتفاع استهلاك البروتين الحيواني. لكن أي توسّع إنتاجي لا يواكبه تطوّر مماثل في أدوات التسويق والتوزيع والتصدير يتحوّل تدريجيًا إلى فائض يصعب امتصاصه داخل السوق الوطنية.
وهنا تكمن إحدى أبرز المفارقات الاقتصادية: فارتفاع الإنتاج الذي يعكس نجاحًا في تطوير القدرات الصناعية قد يتحوّل، في غياب التخطيط، إلى عامل يضغط على الأسعار ويهدد الاستثمارات نفسها. فكلما استمرت الأسعار عند مستويات تقل عن تكلفة الإنتاج، يجد المربّون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: الاستمرار في الإنتاج مع تراكم الخسائر، أو تقليص عدد الكتاكيت والدورات الإنتاجية، وهو ما قد يقود لاحقًا إلى انخفاض المعروض وعودة الأسعار إلى الارتفاع من جديد.
انقسمت آراء المهنيين حول طبيعة الأزمة ومداها. فبينما ترى الفيدرالية البيمهنية لقطاع الدواجن (FISA) أن المشهد الحالي لا يتعدّى كونه تقلبات طبيعية خاضعة لقانون العرض والطلب، مرتبطة بظرفية ما بعد عيد الأضحى، تعتبر الجمعية الوطنية لمربي دجاج اللحم أن الأزمة تعكس اختلالات أعمق في تنظيم القطاع وتدبير توازناته الإنتاجية والتسويقية.
ويشدّد رئيس الجمعية، محمد أعبود، على أن “القطاع يعاني من غياب الهيكلة التنظيمية، حيث للشركات الكبرى سلطة توجيه السوق وفق مصالحها”, محذّرًا من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى “إبادة من تبقى من المربين وتغييب المنافسة”. في المقابل، يؤكد رئيس الفيدرالية، يوسف العلوي، أن “القطاع يمر تاريخيًا بدورات من الوفرة والندرة”.
وفي سياق متصل، برزت خلال الأسابيع الأخيرة شائعات ربطت انخفاض الأسعار بانتشار أمراض بين الدواجن، وهو ما نفاه مهنيون بشكل قاطع، مؤكدين أن منظومة المراقبة الصحية لا تزال قائمة، وأن الأسعار المنخفضة تعود أساسًا إلى فائض العرض وليس إلى مخاطر صحية.
اجتماعيًا، يمنح انخفاض الأسعار متنفسًا مهمًا للأسر المغربية، خصوصًا في ظل استمرار الضغوط المعيشية وارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية. فالدجاج يمثل المصدر الأكثر استهلاكًا للبروتين الحيواني بالنسبة لشرائح واسعة من المواطنين، ولذلك فإن أي انخفاض في سعره ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية.
غير أن القراءة الاجتماعية لا تكتمل دون النظر إلى الجانب الآخر من المعادلة. فاستمرار الأسعار عند مستويات متدنية لفترة طويلة قد يؤدي إلى خروج عدد من المربين الصغار والمتوسطين من السوق, وهو ما يهدد بفقدان مناصب الشغل في القرى والمناطق الزراعية، ويزيد من تركيز الإنتاج في يد كبار المستثمرين القادرين على تحمّل فترات الخسارة.
تبرز هنا أهمية الانتقال من تدبير الأزمات إلى بناء سياسات استباقية تعتمد على التوقعات الدقيقة للإنتاج والاستهلاك، وتطوير أسواق التصدير، وتشجيع التصنيع الغذائي، وتحسين أنظمة التخزين والتبريد، مع تعزيز الرقمنة ونشر البيانات اليومية الدقيقة حول العرض والأسعار.
وتأتي دعوات الفيدرالية البيمهنية لتطوير حلقات التسويق والتثمين والتوزيع والتصنيع والتصدير لتعكس إدراكًا بأن المشكلة لم تعد مرتبطة بالإنتاج وحده، بل بالقدرة على إدارة الفائض. فحين يصبح السوق المحلي عاجزًا عن استيعاب الكميات المنتجة، يصبح التصدير أو التصنيع الغذائي أو التخزين الصناعي أدوات ضرورية لتحقيق التوازن.
إن ما يحدث اليوم في سوق الدواجن ليس مجرد انخفاض في سعر سلعة غذائية، بل اختبار لقدرة الاقتصاد الزراعي المغربي على إدارة الوفرة بنفس الكفاءة التي يدير بها الندرة. فالنجاح الحقيقي لا يكمن في إنتاج المزيد فقط، وإنما في بناء منظومة قادرة على تحويل هذا الإنتاج إلى قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة.
وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن يشغل صنّاع القرار اليوم ليس: لماذا انخفضت أسعار الدجاج؟، بل: كيف يمكن تحويل فائض الإنتاج من أزمة تضغط على المربين إلى فرصة تعزز الأمن الغذائي وتفتح أمام المغرب آفاقًا جديدة في الصناعات الغذائية والأسواق الخارجية؟
يبقى الأمل معقودًا على تضافر جهود جميع الفاعلين منتجين ومهنيين ومسؤولين للخروج بتصور متكامل يحقق التوازن بين مصلحة المستهلك في أسعار معقولة، واستدامة المربّين الذين يشكّلون ركيزة أساسية في الأمن الغذائي الوطني.


Comments
0