في مشهد غير مسبوق، اهتزت جماعة بوسكورة على وقع قرار عزل رئيسها السابق ونوابه، بعد تراكم اختلالات في التسيير الإداري والتدبير المالي، الأمر الذي أعاد إلى الواجهة نقاشاً عميقاً حول واقع الحكامة المحلية وحدود المسؤولية السياسية. وبينما اعتبر البعض هذا القرار تصحيحاً لمسار طويل من التدبير المتعثر، يرى آخرون أنه يظل ناقصاً ما لم يُستكمل بآليات واضحة للمحاسبة، انسجاماً مع روح الدستور الذي يربط المسؤولية بالمساءلة.
لقد شكّلت تجربة الرئيس المعزول، الذي عمّر لثلاث ولايات متتالية على رأس جماعة بوسكورة، حالة استثنائية في الاستمرارية، لكنها في المقابل أثارت الكثير من الجدل حول الحصيلة التنموية المحققة. فطوال هذه السنوات، كانت تطلعات الساكنة تتجه نحو تحقيق إقلاع تنموي حقيقي، يواكب التوسع العمراني والديمغرافي الذي تعرفه المنطقة، غير أن الواقع، بحسب شهادات عدد من الفاعلين المحليين، ظل بعيداً عن تلك التطلعات.
وتتزايد التساؤلات اليوم حول مآل الميزانيات التي رُصدت لمشاريع متعددة في مجالات البنية التحتية، والتجهيزات الأساسية، والخدمات الاجتماعية. أين ذهبت هذه الاعتمادات؟ ولماذا لم تُترجم إلى منجزات ملموسة على أرض الواقع؟ أسئلة مشروعة يطرحها الرأي العام، في ظل غياب تواصل مؤسساتي واضح يفسر مكامن الخلل.
ومن بين أبرز النقاط التي فجّرت هذا الجدل، منح تراخيص لمشاريع اقتصادية وعمرانية دون توفير المرافق العمومية الضرورية، كالمؤسسات التعليمية، والمراكز الصحية، والمساحات الخضراء، وهو ما يتنافى مع مقتضيات دفاتر التحملات، ويعكس اختلالاً في التخطيط الحضري. هذا الوضع ساهم في خلق أحياء تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم، رغم ما تحمله من طابع استثماري.
كما أن اتهامات بتبديد المال العام وسوء تدبير الموارد الجماعية، ظلت تلاحق التجربة السابقة، إلى جانب عدم الوفاء بوعود انتخابية رُفعت في أكثر من محطة، مما عمّق فجوة الثقة بين المنتخبين والمواطنين. ولا يمكن، في هذا السياق، إغفال دور نواب الرئيس، الذين كانوا جزءاً من منظومة اتخاذ القرار، وساهموا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تكريس هذه الاختلالات.
ورغم صدور قرار العزل، فإن النقاش لم يتوقف عند حدود الإجراء الإداري، بل تجاوزه إلى التساؤل عن جدوى هذا القرار في غياب متابعة قضائية أو افتحاص شامل يحدد المسؤوليات بدقة. فالعزل، وإن كان خطوة مهمة، لا يمكن أن يكون بديلاً عن المحاسبة، بل يجب أن يكون مدخلاً لها.
إن الرهان اليوم لا يتعلق فقط بمحاسبة الماضي، بل أيضاً بتأمين المستقبل، من خلال وضع آليات صارمة للرقابة، وتعزيز الشفافية في تدبير الشأن المحلي، وضمان مشاركة فعلية للمواطن في تتبع المشاريع والبرامج التنموية.
أمام هذا الوضع، تتجه الأنظار إلى مؤسسات الحكامة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للحسابات، للقيام بعمليات افتحاص دقيقة وشاملة، تكشف حقيقة ما جرى خلال السنوات الماضية، وتحدد أوجه صرف المال العام. كما يُنتظر من وزارة الداخلية تفعيل آليات المراقبة الإدارية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان عدم تكرار مثل هذه الاختلالات.
إن بوسكورة اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، إما أن يكون العزل بداية لمرحلة جديدة عنوانها الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، أو أن يتحول إلى مجرد حدث عابر في ذاكرة التدبير المحلي. وبين هذا وذاك، تبقى أعين الساكنة معلقة على أمل بناء نموذج تنموي يليق بطموحاتها، ويعيد الثقة في المؤسسات المنتخبة.


Comments
0