شهد إقليم النواصر حدثاً مفصلياً أعاد النقاش حول الحكامة العمرانية إلى الواجهة، بعدما أقدمت السلطات الإقليمية على تنفيذ عملية هدم واسعة للبناء المعروف إعلامياً بـ«قصر الضيافة» أو «كرملين بوسكورة»، وهو مشروع ضخم شُيّد داخل مجال فلاحي لا يتيح—قانوناً—أي إمكانية لبناء منشآت سياحية أو فندقية أو قاعات للولائم. ورغم أن الحادث قد يبدو في ظاهره تدخلاً لإزالة بناء غير قانوني، إلا أنّ أبعاده العميقة تكشف تحولاً بنيوياً في طريقة تدبير الدولة لملفات التعمير، وتغييراً واضحاً في ميزان القوة بين منطق “الرخص الاستثنائية وباك صاحبي” ومنطق سيادة القانون.
القضية، كما تكشف المعطيات المتاحة، لا تتعلق فقط ببناء خارج القانون، بل بنموذج صارخ لاستعمال الترخيص الأصلي لأغراض لا تمت بصلة للوظيفة المسموح بها بمنطق فرض الأمر الواقع على الدولة بتواطؤ من بعض رجالها الضائعين والذين لايصمدون امام الإغراءات الضخمة. فقد حصل صاحب المشروع على ترخيص لإنشاء منشأة فلاحية بسيطة تتعلق بالفروسية والإيواء الريفي، قبل أن تتوسع الأشغال لتُنتج صرحاً مترامي الأطراف باستثمار قيل انه يناهز 160 مليون درهم، متضمناً فندقاً وقاعات ضخمة للأعراس ومرافق لا يمكن أن تنتمي بأي حال لمجال فلاحي محمي. وهنا يظهر السؤال المركزي: كيف انتقلت رخصة بسيطة إلى مشروع فخم من دون توقيف الأشغال في بداياتها على ارض فلاحية لا يودي عليها واجب الدولة كضريبة الأراضي الغير مبنية؟ ومن سهل هذا المسار وبأي ثمن؟
عندما تدخلت السلطات الإقليمية سنة 2022 لسحب الترخيص، كان المشروع قد بلغ مراحل متقدمة من البناء مما يطرح عدة تساؤلات، ورغم منح مهلة لتسوية الوضع، تواصلت الأشغال في تجاهل تام لقرارات الإدارة مما قد يفسر بتواطؤ واضح من أطراف معنية. هذا المعطى وحده يعكس خللاً عميقاً في علاقة بعض المستثمرين بالمنظومة القانونية ورجالاتها على كل الأصعدة. فقد اعتاد البعض بتشجيع واضح، لسنوات، التعامل مع قرارات التوقيف كإجراءات شكلية قابلة للتجاوز، مستندين إلى تصورات قديمة تعتبر أن العلاقات والنفوذ و المال قادران على تجاوز منطق القانون وان لكل تجاوز ثمنه الذي يمسح آثاره فور ادائه. غير أن ما حدث في بوسكورة يبرهن على أن هذه الذهنية لم تعد قابلة للاستمرار.
عملية الهدم التي قادتها سلطات إقليم النواصر لم تكن مجرد تنفيذ لقرار إداري، بل كانت جزءاً من مقاربة أشمل لتطهير المجال الترابي من المخالفات العمرانية التي كانت تُبنى تحت مظلة “التساهل” أو “المجاملة” أو “التقدير السياسي”. فقد رافقت العملية إجراءات موازية تمثلت في تعليق رئيس جماعة بوسكورة وثلاثة منتخبين آخرين، بعد رصد اختلالات خطيرة في منح الرخص وتدبير الموارد، وهو ما يعكس انتقال الدولة من منطق “المعالجة الظرفية” إلى منطق “المحاسبة الهيكلية”.
ومن الناحية الرمزية، فإن هدم مشروع قيمته الاستثمارية ضخمة يحمل رسالة سياسية واضحة: المغرب يحمي الاستثمار، لكنه لا يحمي الفساد و لم يعد يقبل الاستثمار الخارج عن الشرعية. فالمؤسسات لم تعد تنحني لحجم الرساميل او الرشاوي أو للأسماء الثقيلة، بل صارت تضع القانون فوق الجميع، باعتباره الإطار الوحيد الذي يضمن العدالة العمرانية ويحمي المجال البيئي ويصون التوازنات الترابية. وهذا التوجّه يتماشى مع التحولات التي عرفها المغرب في السنوات الأخيرة، سواء من خلال تعزيز دور الوكالات الحضرية، أو تشديد الرقابة على المنتخبين، أو تفعيل مقتضيات قانون التعمير 66.12 الذي ألغى عملياً الكثير من الثغرات التي كانت تسمح بتوسيع المشاريع خارج نطاقها الحقيقي.
على الجانب الآخر، برهن هذا الملف على أن الدولة بصدد إعادة بناء علاقتها مع المواطن والمستثمر على أساس الثقة والوضوح، بحيث لم تعد الرخص الاستثنائية وسيلة للالتفاف على المساطر، ولا تُمنح المجالات الترابية كمساحات مفتوحة للمضاربة العقارية والريع. وبذلك يُعيد هذا الحدث ترتيب العلاقة بين السلطة التنفيذية والمنتخبين والمستثمرين، واضعاً جميع الأطراف أمام قاعدة واحدة: احترام القانون شرط أساسي للممارسة، وليس خياراً تفاوضياً.
في خضم هذا السياق، تبدو عملية الهدم رسالة مزدوجة: أولاً إلى المستثمرين بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار المنتج الذي يُبنى داخل الإطار القانوني، وثانياً إلى المنتخبين بأن توقيع الرخص مسؤولية ثقيلة لا يمكن تحويلها إلى امتياز أو وسيلة نفوذ. وبين الرسالتين ينتصر مبدأ أساسي: المغاربة سواسية أمام القانون، ولا حصانة لأي شخص حين يتعلق الأمر بالتعمير وحماية المجال.
وهكذا، لم يكن «كرملين بوسكورة» مجرد بناء غير قانوني، بل كان اختباراً لمدى قدرة مؤسسات الدولة على فرض هيبتها. وقد نجحت سلطات إقليم النواصر في تحويل هذا الملف من موضوع محلي إلى درس وطني، مفاده أن الزمن الذي تُدار فيه الملفات العمرانية بمنطق الانتقائية قد انتهى، وأن المغرب يتحرك بثبات نحو نظام عمراني أكثر شفافية وعدالة ومسؤولية


Comments
0