بين “التمايز” و”وحدة الحقوق”: صوت نقابي يحذّر من معايير بسرعتين - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أعمدة الرآي

بين “التمايز” و”وحدة الحقوق”: صوت نقابي يحذّر من معايير بسرعتين

FB_IMG_1774398069412

في سياق النقاشات المتواصلة حول سياسات التشغيل بمنطقة المتوسط، عاد النقابي هشام حريب ليضع مفهوم “التمايز” تحت مجهر المساءلة، مقدّماً تدخلاً قوياً يعيد ترتيب أولويات النقاش من جديد: هل نحن بصدد تكييف الوسائل، أم إعادة تعريف الحقوق نفسها؟من حيث المبدأ، لا يعارض الفاعل النقابي فكرة تكييف السياسات مع الخصوصيات الوطنية لكل بلد. بل يعتبرها ضرورة واقعية تفرضها اختلافات السياقات الاقتصادية والاجتماعية. غير أن الإشكال، كما يطرحه حريب، يبدأ حين يتحول هذا “التمايز” من أداة تقنية مرنة إلى مدخل سياسي يُستعمل، ولو بشكل غير مباشر، لتبرير معايير مزدوجة في مجال الحقوق الأساسية.هذا الطرح يفتح الباب أمام تساؤل جوهري يتجاوز الجانب التقني ليصل إلى عمق الفلسفة الحقوقية: هل يمكن القبول بتفاوت في الحقوق تحت غطاء الاختلاف في الوسائل؟من وجهة نظر نقابية، الجواب واضح وحاسم. فالحقوق الأساسية في العمل — من حماية اجتماعية، وكرامة مهنية، وضمانات قانونية — ليست مجالاً للتجريب أو التكييف حسب الظروف. إنها مكتسبات كونية غير قابلة للتجزئة، وأي محاولة لإعادة تأويلها وفق السياقات قد تفضي، تدريجياً، إلى إفراغها من مضمونها.ويحذّر حريب من أن الغموض الذي يلف مفهوم “التمايز” قد يتحول إلى مدخل خطير لتكريس اللامساواة بين الدول، خصوصاً في منطقة تعاني أصلاً من تفاوتات بنيوية. فبدل أن يكون التمايز وسيلة لتقريب الفجوات، قد يصبح أداة لتوسيعها، عبر إضفاء شرعية غير مباشرة على تفاوت المعايير.الأخطر من ذلك، بحسب المتدخل، هو أن هذا المنحى قد يؤدي إلى إضعاف تدريجي للمرجعيات الدولية في مجال الشغل، التي بُنيت أساساً على مبدأ الشمولية وعدم التمييز. وهو ما يهدد بتقويض الثقة في المنظومة الحقوقية برمتها.وفي لحظة صراحة لافتة، يعيد حريب توجيه البوصلة نحو الواقع الميداني:العمال في المنطقة لا يعانون من “فائض” في المعايير، بل من نقص حاد في تطبيقها.وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فبدل البحث عن صيغ جديدة للتمايز، الأجدر هو مساءلة آليات التنفيذ، وتعزيز الرقابة، وضمان احترام الحقوق القائمة.إن الرهان الحقيقي، كما خلص إليه التدخل، لا يكمن في إعادة صياغة المفاهيم، بل في تفعيلها على أرض الواقع. فالسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نُمايز بين الحقوق؟بل: كيف نضمن تمتع جميع العمال بها، دون استثناء أو انتقاص؟بهذا الطرح، يضع الصوت النقابي النقاش في إطاره الصحيح، مؤكداً أن العدالة الاجتماعية لا تُبنى بتعدد السرعات، بل بوحدة المعايير وصلابة الالتزام بها.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث