اللهم بارك(04)
لم يكن هطول المطر على مركب الأمير مولاي عبد الله تلك الليلة مجرد تفصيل جوي عابر، بل بدا وكأنه غطاء سماوي يبارك لحظة ميلاد نسخة جديدة من كأس أمم إفريقيا في حضن المغرب. تحت تلك القطرات، تقدّم الأمير إلى وسط الميدان، صافح اللاعبين، ثم وضع القدم الأولى على الكرة ليعلن انطلاقة مباراة الافتتاح في مشهد اختزل تماهي الدولة مع نبض شعبها وعشقها للعبة الأكثر شعبية في القارة.فكانت هاته اللمسة بمثابة البداية تحت الأمطار، صورة مركزة لوحدة الدولة والمجتمع ، فاختزلت انتقال المؤسسة الملكية من مدرجات المتابعة إلى ميدان الفعل، في إشارة إلى قربها من نبض الشباب وشغفهم الرياضي .فكان اختلاط الإضاءة، والأهازيج، والأعلام المرفوعة مع لقطة ركلة البداية صورة معبرة و حديثة للمغرب الملتصق بهويته الأفريقية .
و هكذا تتخذ المواقف الرمزية للأمير في الفعاليات الرياضية بالمغرب بعدًا يتجاوز البروتوكول، لتتحول إلى رسائل سياسية وإعلامية مكثفة في إشارة إلى قربها من نبض الشباب وشغفهم الرياضي.
تناولت القنوات والصحف حضور الأمير بوصفه عنوانًا للدعم الرسمي للمشروع الرياضي الوطني، وربطت بين نجاح التنظيم وقوة الدولة واستقرارها، وهو ما عزز الخطاب الإيجابي عن صورة المغرب قاريا ودوليا.
التركيز التلفزيوني المتكرر على لقطات التحية للجماهير، وركلة البداية، وتفاعل الأمير مع الأجواء خلق سردية إعلامية تجعل من الرياضة أداة لتسويق الهوية الوطنية وتكريس الثقة في المؤسسات.
هذه المواقف الرمزية تسهم في رفع منسوب الانتماء، إذ يرى الجمهور في الأمير شريكًا في الفرح الكروي وليس مجرد ضيف شرف، ما يختصر المسافة الرمزية بين الحكم والمجتمع.
عندما تُعاد هذه الصور في نشرات الأخبار ووسائل التواصل، تتحول إلى مرجع بصري للأجيال الشابة يربط بين حب المنتخب، واحترام العلم، والاعتزاز بالقيادة، فتترسخ قيم المواطنة عبر فعل رياضي بسيط ظاهريًا وعميق دلاليًا.
في تلك اللحظة التي دوّى فيها النشيد الوطني بين المدارج المزدحمة، تحولت كرة القدم إلى مرآة لوطن يفتخر بتاريخه ويؤمن بمستقبل أبنائه. فالأعلام التي رفرفـت، والهتافات التي وحّدت آلاف الحناجر، جسدت معنى الانتماء الحقيقي، حيث تصبح المقابلة أكثر من صراع تكتيكي؛ إنها درس مفتوح في المواطنة، يتعلم فيه الصغار قبل الكبار قيم التضحية والالتزام واحترام القميص والراية.
عندما تتوزع الكاميرات بين لقطة الأمير ولقطات المدرجات الممتلئة بالأعلام والأهازيج، تُبنى صورة بصرية لوحدة وجدانية؛ فكل الألوان في الملعب تنتهي عند لون العلم الوطني. تحية الأمير للجماهير، وتصفيق الجماهير له، حركة متبادلة تصنع عقدًا عاطفيًا: القيادة تمنح الاعتراف بالتفاف الشعب حول المنتخب، والجمهور يبادلها الاعتراف بدورها في تأمين هذا العرس الكروي وتنظيمه.
لقد برهنت الرياضة المغربية، مرة أخرى، أنها ليست مجرد نتائج وألقاب، بل قوة ناعمة تعيد تقديم صورة المملكة كأرض للالتقاء بين إفريقيا والعالم، تجمع بين الحداثة وجذورها الضاربة في التاريخ، وتستثمر في طاقة الجماهير لتمرير رسائل التعايش والسلام. وما مشهد الأمير تحت الأمطار وهو يركل كرة الانطلاقة إلا توقيع رمزي على عقد ثقة متجددة بين العرش والشعب، عنوانه الكبير: وطن يصنع مجده من ميدانه الأخضر قبل منصاته الرسمية.
وجه المنتقصين من قمة القطاع الرياضي وأصوات التشكيك السلبية، يقف هذا الحدث صارخاً شاهداً على الإنجازات التاريخية – من نصف نهائي كأس العالم إلى كؤوس إفريقيا متتالية – فالرياضة ليست هواة، بل محرك اقتصادي يولد استثمارات وفرص عمل، ومدرسة أخلاقية تعزز التضامن والانضباط، وقوة اجتماعية توحّد الشعب وتشغل شبابه بنبض إيجابي؛ الرموز لا تُبنى على الوهم، والمطر الذي غسل الملعب يمحو أوهامكم ويكشف حقيقة قوتنا الرياضية الراسخة!.


Comments
0