في الشأن السياسي، لا تقاس أهمية الأحداث بقدر ما تقاس بما تكشفه من معانٍ عميقة. فالنقاش الذي شهده مجلس النواب خلال الجلسة الشهرية المخصصة لأسئلة رئيس الحكومة، يوم الاثنين 8 يونيو 2026، لم يكن مجرد سجال اعتيادي بين الأغلبية والمعارضة، بل شكل لحظة سياسية مكثفة كشفت عن أسئلة تراكمت حول علاقة السلطة التنفيذية بالرقابة البرلمانية، والحدود بين الأداء الحكومي والمحاسبة السياسية، وقدرة المؤسسات على تقديم إجابات مقنعة في زمن تزايدت فيه تطلعات المواطنين وتراجعت الثقة في الخطاب السياسي.
فقد تحولت الجلسة، التي خُصصت أصلاً لمناقشة قضايا التربية والتكوين، إلى ساحة مواجهة سياسية مفتوحة بعد أن أثار رئيس الفريق النيابي لحزب العدالة والتنمية، السيد عبد الله بوانو، عدة ملفات اعتبرها ذات صلة مباشرة بالشأن العام. وهو ما قوبل برد حاسم من رئيس الحكومة، السيد عزيز أخنوش، في أجواء اتسمت بالتوتر السياسي الواضح، وفقاً لما نقلته التقارير الإعلامية.
ووراء هذا التوتر، يبرز سؤال بسيط في ظاهره لكنه يحمل دلالات سياسية عميقة: لماذا تتحول بعض الأسئلة إلى مصدر حساسية في النقاش العام؟ ففي الأنظمة الديمقراطية، لا تُقاس قوة المؤسسات بعدد الإنجازات التي تحققها، بل بقدرتها على تحمل الأسئلة الصعبة وتقديم المعلومات للرأي العام. فعندما يصبح الحديث عن اجتماع يتعلق بملف الأضاحي محوراً لمواجهة سياسية، فإن القضية تتجاوز الاجتماع نفسه لتمس إشكالية أكبر هي الشفافية وحق المواطنين في معرفة كيفية اتخاذ القرارات المتعلقة بقضايا تمس حياتهم اليومية ومعيشتهم. فالأضحية لم تعد مجرد شعيرة دينية أو مناسبة اجتماعية، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى ملف اقتصادي واجتماعي معقد يتداخل فيه الأمن الغذائي، والقدرة الشرائية، والاستيراد، والدعم الحكومي، وتوازنات السوق.
ولم يتوقف النقاش عند حدود الأضاحي، بل امتد إلى ملف القمح باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في الاقتصاد المغربي. فالقمح ليس مجرد سلعة زراعية، بل يشكل ركيزة أساسية في الأمن الغذائي الوطني. ومن هنا تكتسب أي قرارات تتعلق بالاستيراد أو الدعم أو التسعير أهمية استثنائية، خاصة في ظل تقلبات الأسواق الدولية وتداعيات التغيرات المناخية على الإنتاج الفلاحي. وقد سبق أن أثيرت في البرلمان تساؤلات حول آليات استيراد القمح وتخزينه وطحنه، ومدى استفادة الفلاح المغربي من السياسات المتبعة في هذا المجال.
ويعكس الجدل حول القمح معضلة أعمق تواجه السياسات العامة في المغرب. فمن جهة، توجد ضرورة لتأمين المخزون الوطني وضمان استقرار الأسعار، ومن جهة أخرى، هناك حاجة لحماية المنتج الوطني وتشجيع الفلاح المغربي الذي يواجه تحديات الجفاف وارتفاع تكاليف الإنتاج. وبين هذين الاعتبارين، تظهر أسئلة مشروعة حول كيفية تحقيق التوازن بين منطق السوق ومنطق السيادة الغذائية، وبين متطلبات الاستيراد وحماية الإنتاج المحلي.
أما ملف استقطاب المنتخبين داخل الأغلبية الحكومية نفسها، فيفتح الباب أمام نقاش آخر حول جودة الحياة الحزبية في المغرب. فمنذ سنوات طويلة، يشتكي الفاعلون السياسيون من ظاهرة الترحال السياسي وهشاشة الانتماء الحزبي، وتحول بعض الاستحقاقات الانتخابية إلى منافسات مرتبطة بالنفوذ أكثر من ارتباطها بالبرامج. وعندما تصبح المنافسة داخل مكونات الأغلبية نفسها أكثر حضوراً من التنسيق بينها، فإن ذلك يثير تساؤلات حول طبيعة التحالفات السياسية ومدى قدرة الأحزاب على الحفاظ على هويتها واستقلالية قرارها.
وفي قطاع التعليم، عاد النقاش حول الوسائل المعتمدة لمكافحة الغش في امتحانات الباكالوريا ليكشف وجهاً آخر من التوتر بين منطق الأمن ومنطق التربية. فالمغرب، مثل كثير من الدول، يواجه تحدياً حقيقياً يتمثل في تطور وسائل الغش واستخدام التكنولوجيا الحديثة. لكن السؤال المطروح هو: كيف يمكن حماية مصداقية الامتحانات دون تحويل الفضاء المدرسي إلى فضاء يطغى عليه الإحساس بالمراقبة والارتياب؟ فالتربية لا تقوم فقط على الردع، بل تقوم أيضاً على بناء الثقة والقيم والمسؤولية الفردية، وهي معادلة دقيقة تجعل من أي إجراء تقني أو أمني موضوعاً للنقاش العام والتقييم المستمر.
وفي خلفية هذه الملفات، يبرز موضوع التعيين في المناصب العليا باعتباره أحد أكثر المواضيع ارتباطاً بصورة الدولة الحديثة. فالمواطن لا يتابع تفاصيل الإجراءات القانونية بقدر ما يهتم بالنتيجة النهائية: هل يتم اختيار المسؤولين على أساس الكفاءة والاستحقاق، أم وفق اعتبارات أخرى؟ ولهذا تظل الشفافية في التعيينات إحدى الركائز الأساسية لتعزيز الثقة في المؤسسات، لأن الشرعية الإدارية لم تعد تُبنى فقط على النصوص القانونية، بل على الإحساس العام بعدالة الفرص وتكافؤها.
غير أن أكثر ما يمنح هذا السجال السياسي أهميته ليس تفاصيل الملفات المطروحة، بل ما يكشفه عن طبيعة المرحلة التي يعيشها المغرب. ففي السنوات الأخيرة، تصاعدت الضغوط المرتبطة بالقدرة الشرائية، وارتفعت تطلعات المواطنين من برامج الحماية الاجتماعية والتشغيل والصحة والتعليم، بينما أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي تراقب كل تصريح وكل قرار، وتعيد إنتاجه في فضاء عمومي مفتوح لا يعترف بالحدود التقليدية بين السلطة والمعارضة. وفي مثل هذا السياق، تصبح الجلسات البرلمانية أكثر من مجرد آلية دستورية للمساءلة؛ إنها فضاء لقياس مستوى الثقة بين المواطن والمؤسسات، واختبار لقدرة الفاعلين السياسيين على إقناع الرأي العام.
ومن هنا، تبدو الإشارات المتبادلة إلى الانتخابات والشرعية الانتخابية جزءاً من معركة أوسع حول من يمتلك حق تمثيل المزاج الشعبي. فالمعارضة ترى أن وظيفتها هي طرح الأسئلة وإثارة القضايا التي تعتبرها مغيبة، بينما ترى الحكومة أن حصيلتها تمنحها شرعية الدفاع عن اختياراتها. وبين الطرفين، يقف المواطن العادي، الذي لا ينشغل غالباً بتفاصيل السجال السياسي بقدر انشغاله بنتائج السياسات على معيشه اليومي وفرص عمله ومستقبل أبنائه.
في المحصلة، قد يختلف المغاربة حول صحة هذه المطروحات أو تلك، وقد تتباين القراءات حول أداء الحكومة أو المعارضة. لكن الأهم أن الجدل الذي انفجر تحت قبة البرلمان أعاد طرح سؤال جوهري يتجاوز الأشخاص والأحزاب: هل ما زالت السياسة المغربية قادرة على تقديم إجابات مقنعة بقدر ما تقدم سجالات؟ فالديمقراطية لا تُقاس بارتفاع الأصوات داخل القاعة، بل بقدرة المؤسسات على تحويل الأسئلة المقلقة إلى سياسات واضحة، وتحويل الشكوك إلى بيانات ملموسة، وتحويل التوتر السياسي إلى فرصة لتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع. وعندما يصبح الجواب أقوى من الانفعال، تكون المؤسسات قد ربحت المعركة الأهم: معركة المصداقية.


Comments
0