مع حلول الأسبوع الأخير من الحرب المفتوحة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، دخلت المواجهات مرحلة جديدة من التصعيد غير المسبوق، حيث تحولت البنية التحتية للطاقة والنفط إلى ساحة قتال رئيسية، في وقت تحاول فيه القوى الكبرى والدول الإقليمية احتواء التداعيات أو استغلال الفراغ الجيوسياسي. تشير التطورات الميدانية والدبلوماسية إلى أن الحرب لم تعد مجرد ضربات متبادلة، بل أصبحت عاملاً معيداً لرسم خريطة التحالفات في الشرق الأوسط، مع تداعيات عميقة على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة.
أبرز تطورات الأسبوع الأخير: استهداف ناتانز وصراع البنى التحتية
شهدت الساعات الأخيرة تصعيداً نوعياً في طبيعة الاستهدافات، حيث أعلنت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن منشأة “ناتانز” للتخصيب تعرضت لهجوم مشترك من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل فجر يوم السبت (21 مارس) . وأكدت طهران عدم حدوث تسرب إشعاعي، لكن هذا الاستهداف يعكس تحولاً في الاستراتيجية العسكرية نحو تدمير القدرات النووية الإيرانية بشكل منهجي.
في المقابل، وسعت إيران نطاق ردها لتشمل البنى التحتية للطاقة في دول الخليج، حيث تعرضت حقل “بارس الجنوبي” للغاز الطبيعي المسال في قطر لهجوم إيراني، مما أدى إلى أضرار وصفتها السلطات القطرية بأنها “تستغرق ما بين ثلاث إلى خمس سنوات لإصلاحها”، وتسببت في انخفاض الصادرات القطرية بنسبة 17% . كما أعلن الجيش الإيراني عن توجيه تحذير شديد اللهجة للإمارات، مهدداً بقصف رأس الخيمة في حال استخدام أراضيها لشن هجمات على الجزر الإيرانية الثلاث المتنازع عليها .
كما امتد القصف إلى مواقع استراتيجية حساسة، حيث أطلق الجيش الإيراني صاروخين باليستيين متوسطي المدى باتجاه قاعدة “دييغو غارسيا” العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا في المحيط الهندي، والتي تبعد حوالي 4000 كيلومتر عن الأراضي الإيرانية، مما يشير إلى قدرات صاروخية أطول مدى مما كان يعتقد سابقاً .
المواقف الدولية: انقسام بين الدعم المشروط والدعوات المبطنة لوقف التصعيد
الموقف الأوروبي: بين القلق الاقتصادي والرفض للانجرار وراء واشنطن
تعاني العواصم الأوروبية من معضلة حقيقية في التعامل مع الحرب. فبينما ترفض أوروبا البرنامج النووي الإيراني، فإنها لا ترغب في الظهور بمظهر الداعم لعمل عسكري أحادي الجانب قادته إدارة الرئيس ترامب دون تنسيق مسبق .
على الصعيد الاقتصادي، بدأت التداعيات تظهر بشكل حاد. رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر دعا لعقد اجتماع طارئ الأسبوع المقبل مع محافظ بنك إنجلترا لبحث خطط دعم الأسر البريطانية لمواجهة ارتفاع تكاليف المعيشة الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة . وفي الاتحاد الأوروبي، حثت مفوضة الطاقة دان يورغنسن الدول الأعضاء على خفض أهداف تخزين الغاز إلى 80% بدلاً من 90%، والبدء في إعادة الملء التدريجي للاحتياطيات لمواجهة اضطرابات الإمدادات .
سياسياً، حافظت بريطانيا وفرنسا وألمانيا على موقف حذر، حيث أصدر قادتها بياناً مشتركاً أكدوا فيه أنهم لم يشاركوا في الضربات، لكنهم يدينون الهجمات الإيرانية على دول المنطقة ويدعون إلى استئناف المفاوضات النووية .
روسيا والصين: دعم إيران واستغلال الفراغ الأمريكي
من الواضح أن موسكو وبكين تسعيان لاستغلال انخراط واشنطن في هذه الحرب لتعزيز نفوذهما. الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هنأ القيادة الإيرانية بعيد النوروز، مؤكداً أن موسكو تظل “صديقة مخلصة وشريكاً موثوقاً” لطهران . فيما وصفت وزارة الخارجية الروسية الضربات الأمريكية الإسرائيلية بأنها “عمل عدواني مسلح مسبق التخطيط وغير مبرر ضد دولة عضو في الأمم المتحدة” .
أما الصين، فدعت إلى “وقف فوري للأعمال العسكرية” والعودة إلى المفاوضات، مؤكدة على ضرورة “احترام سيادة إيران وأمنها وسلامتها الإقليمية” . هذا الموقف الصيني الروسي المشترك يعكس رغبة القطبين في تقويض النفوذ الأمريكي في المنطقة واستغلال الانقسام الغربي.
تداعيات الحرب على دول الخليج: بين مطرقة الرد الإيراني وسندان التحالف الأمريكي
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي أصعب اختبار جيوسياسي منذ عقود، حيث وجدت نفسها في مرمى النيران رغم عدم رغبتها في الحرب.
لماذا تكتفي دول الخليج بالصمت والردود الدبلوماسية؟
حتى الآن، التزمت دول الخليج بموقف متحفظ، مكتفية بإدانة الاستهدافات الإيرانية والتحذير من التصعيد، دون اللجوء إلى الخيار العسكري . محللون يرون أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء هذا “الردع الذاتي”:
1. تجنب الانجرار خلف الولايات المتحدة وإسرائيل: لا تريد دول الخليج أن تُصنف في العالم الإسلامي والعربي كداعمة للحرب الإسرائيلية على إيران .
2. الخوف على المشاريع الاقتصادية العملاقة: أي حرب شاملة مع إيران ستدمر المشاريع التنموية والبنية التحتية الضخمة التي تعتمد عليها دول الخليج في تنويع اقتصاداتها (مثل رؤية السعودية 2030 ورؤية قطر الوطنية) .
3. الخشية من “خيانة” أمريكية: دول الخليج تدرك جيداً أن الولايات المتحدة قد تنسحب من المنطقة إذا تورطت في مستنقع عسكري، كما حدث في أفغانستان والعراق، تاركة إياها تواجه إيران بمفردها .
الأضرار الفعلية تتزايد
رغم هذا الصبر الخليجي، فإن التكلفة تتزايد يومياً. السعودية أعلنت اعتراضها 22 طائرة مسيرة أطلقت باتجاه مناطقها الشرقية خلال الليالي الماضية . الإمارات أعلنت عن اعتراض 327 صاروخاً باليستياً و15 صاروخاً كروزياً وحوالي 1700 طائرة مسيرة منذ بداية الحرب، مشيرة إلى سقوط 8 قتلى .
الضربة الأكثر إيلاماً كانت لقطر، حيث تسبب الهجوم على حقل “بارس الجنوبي” المشترك مع إيران في أضرار هائلة قدرت تكلفة إصلاحها بمليارات الدولارات، مما دفع الدوحة لوصف الهجوم بأنه “تصعيد خطير” .
سيناريوهات المرحلة المقبلة: إلى أين تتجه الحرب؟
بناءً على المعطيات الميدانية والدبلوماسية الراهنة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
السيناريو الأول: استمرار حرب الاستنزاف (الأكثر ترجيحاً)
في هذا السيناريو، تستمر إسرائيل والولايات المتحدة في توجيه ضربات نوعية تستهدف القيادات الإيرانية (مثل اغتيال رئيس المخابرات إسماعيل خطيب والأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني) والبنية التحتية النووية والصاروخية.
في المقابل، تواصل إيران حربها بالوكالة عبر استهداف مصالح الولايات المتحدة في دول الخليج، وتهديد الملاحة في مضيق هرمز، وإطالة أمد الصراع بهدف إرهاق الاقتصاد الأمريكي ودفع الأسواق العالمية نحو الركود. هذا السيناريو سيستمر فيه المعاناة الأكبر لدول الخليج، حيث ستبقى منشآتها النفطية والغازية في مرمى النيران.
السيناريو الثاني: الانزلاق نحو حرب إقليمية شاملة
يظل هذا الاحتمال قائماً إذا قررت إيران تجاوز الخطوط الحمراء عبر استهداف منشآت نفطية رئيسية في السعودية أو الإمارات بشكل يتسبب في خسائر بشرية فادحة، مما قد يجبر دول الخليج على تفعيل اتفاقيات الدفاع المشترك مع واشنطن.
في هذه الحالة، سيكون الرد الخليجي محرجاً للغاية، إذ قد يضطر للقتال إلى جانب إسرائيل ضد إيران، وهو ما ترفضه الرأي العام المحلي والإقليمي . مثل هذا السيناريو سيعني إغلاقاً كاملاً لمضيق هرمز، وارتفاعاً صاروخياً في أسعار النفط قد يصل إلى 150 دولاراً للبرميل، مما سيحدث ركوداً عالمياً.
السيناريو الثالث: انهيار الداخل الإيراني والانتقال السياسي
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن “إيران تم تدميرها” ولم تعد قادرة على تخصيب اليورانيوم أو تصنيع الصواريخ الباليستية . هناك سيناريو تطمح إليه واشنطن وتل أبيب، وهو انهيار النظام الإيراني من الداخل، خاصة بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد كبير من القادة.
تشير تقارير إلى أن المعارضة الإيرانية (بما في ذلك رضا بهلوي نجل الشاه السابق) ترى في هذه الضربات فرصة “للنصر النهائي” . لكن الاتحاد الأوروبي يحذر من سيناريو على غرار “ليبيا ما بعد القذافي”، حيث يؤدي الفراغ السياسي إلى حرب أهلية وفوضى عارمة . هذا السيناريو سيكون الأكثر تعقيداً لدول الخليج، التي ستواجه تهديدات عدم الاستقرار على حدودها الشرقية وتدفق اللاجئين وانتشار المليشيات المسلحة.
الخلاصة
في ختام هذا الأسبوع الحاسم، يبدو أن الحرب الإيرانية الإسرائيلية دخلت مرحلة تحول فيها قطاع الطاقة والغاز إلى سلاح بامتياز، مما زاد من تعقيد المشهد الجيوسياسي. دول الخليج، التي تدفع أعلى فاتورة جراء هذه الحرب رغم أنها ليست طرفاً فيها، تجد نفسها أمام معادلة صعبة: إما الاستمرار في تحمل الخسائر بصبر، أو المخاطرة بالانزلاق إلى حرب شاملة قد تدمر مكتسبات عقود من التنمية والاستقرار.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأمريكية في نوفمبر/تشرين الثاني، حيث قد يضغط الرئيس ترامب لتحقيق إنجاز عسكري سريع قبل أن يستغل الديمقراطيون تكلفة الحرب ضده داخلياً. في كل الأحوال، يبقى الشعب الإيراني ودول الجوار هم الضحية الأكبر في هذه المعادلة الإقليمية والدولية المعقدة.


Comments
0