في المشهد الثقافي والفني، لا تقاس قيمة الحضور بعدد الصور الملتقطة، ولا بعدد المصافحات أمام الكاميرات، بل تقاس بصدق المساندة، وبالوفاء للفن ولأهله، خاصة حين يتعلق الأمر بلحظة إبداعية تتطلب الدعم المعنوي قبل أي شيء آخر.
ما حدث في المهرجان الوطني للمسرح بالحي المحمدي في دورته السادسة يطرح أكثر من سؤال. فقد حضر عدد من الفنانين حفل الافتتاح والتكريم، وشاركوا في لحظات البروتوكول والكلمات الرسمية وتبادل المجاملات، ثم غادر كثير منهم قبل العرض المسرحي، دون أن يحضروا لمتابعة العمل أو لمساندة زميلهم الفنان الذي قدم المسرحية. وحتى نكون منصفين، فقد بقي بعض الفنانين في القاعة وتابعوا العرض، غير أنهم كانوا قلة مقارنة بعدد من حضروا لحظة الافتتاح والتكريم، وهو ما يجعل المفارقة أكثر وضوحا: حضور لافت أمام الأضواء، وغياب ملحوظ عند لحظة المسرح نفسها.
وهنا يصبح السؤال مشروعا ومؤلما في الوقت نفسه: هل أصبح الحضور الفني مجرد تسجيل ظهور؟ هل صارت الصورة أهم من المؤازرة؟ وهل نحتفي بالفنان أمام العدسات ثم نتركه وحيدا أمام الخشبة؟
الأمر لا يتعلق فقط بغياب عابر، بل بسلوك يكشف خللا في مفهوم التضامن داخل الوسط الفني. فالفنان لا يحتاج إلى زملائه فقط في لحظات التكريم والاحتفال، بل يحتاجهم أكثر حين يقف على الخشبة، حين يقدم جهده وتعبه وروحه أمام الجمهور. المسرح ليس ديكورا إضافيا للمناسبة، بل هو جوهرها. ومن يغادر قبل العرض كأنه يقول، ولو دون قصد، إن لحظة الصورة أهم من لحظة الإبداع.
وتزداد المفارقة حين نعلم أن من قدم العرض المسرحي ليس فنانا عابرا، بل هو نقيب الفنانين، ذلك الشخص الذي يلجأ إليه الفنانون عند الحاجة، وعند المشاكل، وعند المطالب المهنية، وعند البحث عن الدعم والوساطة والدفاع عن الحقوق. يجدونه حاضرا حين يحتاجون إليه، لكن حين احتاج هو إلى حضورهم المعنوي، إلى جلوسهم في القاعة، إلى تصفيقهم ومساندتهم، لم يجد اكثرهم ممن كان ينتظر منهم هذا الدعم.
وكثيرا ما يشتكي الفنانون أنفسهم من فقدان المسرح لقيمته، ومن ضعف الإقبال الجماهيري، ومن غياب ثقافة الحضور والمتابعة. لكن السؤال هنا يفرض نفسه: هل قدموا هم نموذجا حقيقيا لهذا الاهتمام الذي يطالبون به الجمهور؟ كيف نلوم الجمهور على العزوف ونحن لا نعطيه صورة مضادة عن الالتزام؟ وكيف نطالبه بأن يحضر للعروض، بينما يرى بعض أهل الفن يغادرون القاعة قبل أن يبدأ العرض؟
قد تكون لكل واحد مشاغله وظروفه وأسبابه الخاصة، ولا أحد ينكر ذلك. لكن حين يتعلق الأمر بمهرجان مسرحي، وبعرض يقدمه زميل من الوسط الفني، فإن حضور المسرحية يجب أن يكون ضمن الانشغالات لا خارجها. فمن غير المقبول أن تكون لحظة الافتتاح والتكريم ذات أولوية، بينما يصبح العرض المسرحي نفسه أمرا قابلا للتجاوز. فالمسرحية ليست ملحقا للمناسبة، ولا فقرة ثانوية بعد الصور، بل هي قلب الموعد الفني وروحه.
والأغرب من ذلك أن بعض من غادروا هم أبناء المنطقة، وقد دعوا الجمهور في كلماتهم إلى حضور مسرحياتهم المبرمجة ضمن فعاليات المهرجان. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: كيف تطالب الجمهور بالحضور وأنت نفسك انسحبت من عرض زميلك؟ كيف تدعو الناس إلى دعم المسرح وأنت لم تقدم لهم نموذجا عمليا لهذا الدعم؟ أليس هذا تناقضا واضحا؟ بل أليست مفارقة غريبة أن نطلب من الجمهور ما لم نلتزم به نحن أولا؟
الجمهور لا يتعلم قيمة المسرح من الخطابات فقط، بل من السلوك أيضا. وحين يرى الفنانين أنفسهم لا يصبرون على متابعة عرض زميل لهم، فقد يتساءل ببساطة: إذا كان أهل المسرح لا يحضرون لبعضهم، فلماذا يطلب مني أنا أن أحضر؟ وإذا كان الفنان لا يمنح زميله ساعة أو ساعتين من وقته، فكيف ننتظر من المتلقي العادي أن يقتطع من وقته وجهده ليجلس في القاعة؟
إن دعم المسرح لا يكون بالشعارات، ولا بالكلمات الجميلة عن قيمة الفن، ولا بالدعوة النظرية إلى الحضور. دعم المسرح يبدأ من الفنان نفسه، من احترامه لعروض زملائه، ومن جلوسه في القاعة، ومن تصفيقه، ومن إعطائه المثال قبل أن يطلب من الجمهور أن يفعل الشيء نفسه.
لسنا هنا بصدد محاكمة الأشخاص أو توزيع الاتهامات، ولكن من حقنا أن نطرح السؤال: لماذا هذا التعامل؟ لماذا نحضر حين تكون الأضواء موجهة نحو المنصة، ونغادر حين تتوجه الأضواء نحو الخشبة ؟ لماذا نحتفي بالفنان في لحظة التكريم، ثم لا نمنحه جزءا من وقتنا لمشاهدة عمله؟
إن الوسط الفني، إذا أراد أن يستعيد قيمته وهيبته، يحتاج إلى مراجعة حقيقية لمفهوم التضامن بين الفنانين. فالمؤازرة ليست شعارا، وليست صورة جماعية، وليست حضورا ظرفيا ينتهي بانتهاء مراسيم الافتتاح. المؤازرة موقف، والموقف يظهر عندما لا تكون هناك كاميرا، وعندما يكون الفنان محتاجا إلى دعم صادق لا إلى مجاملة عابرة.
لقد حضروا الافتتاح والتكريم، وهذا أمر جيد. وبقي بعضهم لمتابعة العرض، وهذا يحسب لهم. لكن الغياب الواسع عن العرض المسرحي ترك سؤالا مفتوحا ومؤلما: هل نحن أمام ثقافة دعم الفن، أم أمام ثقافة تسجيل الحضور فقط؟
المسرح لا يستعيد قيمته بالخطابات، بل بالممارسة. ومن أراد من الجمهور أن يحضر، فليكن هو أول الحاضرين.


Comments
0