حكاية مكان صمد في وجه الزمان - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

حكاية مكان صمد في وجه الزمان

IMG-20251209-WA0040

الصورتان، وإن اختلف زمن التقاطهما، تستحضران المكان ذاته الذي ظل عبر العقود مسرحا لتحولات عمرانية وثقافية عميقة، ومختبرا لذاكرة الطنطـــــــــان.

هنا، عند هذا الباب المتين الذي صمد في وجه السنين، كانت تقوم الحديقة الإسبانية، أو كما كان يحلو للساكنة تسميتها بـ “أجردة”، وهي إحدى أبرز الفضاءات التي خلفها الوجود الإسباني في المنطقة خلال فترة الحماية. لم تكن مجرد حديقة، بل كانت عالما صغيرا نابضا بالحياة، يضم أشجار الزيتون ولمزاح والنخيل، وتنتشر بين دروبها الداخلية ظلال كثيفة تمنح المكان هيبته ورونقه، فيما كانت بعض الحيوانات—كالذئب والضبع والثعلب والنعامة والماعز—تضفي عليها طابعا يجمع بين الحديقة والمتنزه الحيواني، في مشاهد غير مألوفة لفضاء حضري صغير كالطنـــــــطان .

 

ومع توالي العقود وتغير البنية السوسيوثقافية للمدينة، تحولت هذه الحديقة تدريجيا إلى مركز ثقافي للعلم والمعرفة. وكان لهذا التحول أثر بالغ في ذاكرة جيل كامل من أبناء المدينة، حين أُسندت إدارة هذا المركز إلى رجل لا يزال اسمه محفورا في وجدان كل من ارتاد المكان: “الدحى أهل البارة”، ذلك المدير الأصيل الأنيق الذي جمع بين الوقار والبساطة، كان يتعامل مع رواد المركز كما لو كانوا أبناءه. لم يكن يعتبر المكان إدارة رسمية بقدر ما كان يعتبره بيتا واسعا للمعرفة، مفتوحا للجميع بروح أبوية وإنسانية. كان يوصي الحارس دائما بأن يبقى إلى جانب التلاميذ، يحرس جلسات المراجعة الجماعية التي كانت تمتد لساعات طويلة تصل إلى منتصف الليل.

 

وعندما التحق نفس التلاميذ بثانوية محمد الخامس العريقة، حملوا معهم ما اكتسبوه من ذلك المركز، ليجدوا أنفسهم أمام تجربة تربوية جديدة قادها أساتذة اللغة الإنجليزية الذين عرفوا بأساليبهم المبتكرة: “محمد لمين السعد” ، “إزوگار” ، “عقول” وغيرهم. كان هؤلاء الأساتذة يأخذون التلاميذ في جولات تربوية تفاعلية عبر الأغاني الغربية، يشرحون كلماتها ويعرفون بسياقها الثقافي، وهو نهج خلف أثرا عميقا ونتائج ممتازة في تعلم الإنجليزية، في زمن كانت فيه الوسائل السمعية البصرية محدودة.

 

ومع مرور الزمن وتغير حاجيات المدينة، تحول المركز الثقافي نفسه مرة أخرى إلى “خزانة وسائطية” حديثة، احتضنت أنشطة ثقافية وبحثية متعددة، وأصبحت فضاء يرتاده الباحثون والمبدعون، ومركزا للحركة الثقافية الصاعدة في الطنطـــــــــان. ومع التطور العمراني الحالي، تستعد المدينة اليوم لجعل المكان ساحة حضرية كبيرة بمواصفات معاصرة، متنفسا عاما لمختلف الفئات العمرية.

 

غير أن ما يثير الإعجاب حقا هو ثبات هذا “الباب” الذي ظل صامدا في موقعه، كشاهد حي على كل هذه التحولات، وكوثيقة تاريخية نادرة تقول الكثير دون أن تنطق. فهو ليس مجرد باب من الطوب، بل نص تاريخي قائم بذاته، شاهد على حقبة استعمار إسبانية، وعلى مراحل لاحقة من التحول الثقافي والمعرفي، وعلى ذاكرة أجيال مرت من هنا.

 

السيد العامل “عبد الله شاطر”، بقراره الحكيم في الإبقاء على هذا الباب العتيق، لم يتخذ مجرد خطوة إدارية عابرة، بل اتخذ موقفا فكريا وثقافيا عميق الدلالة. لقد أدرك، ببصيرة رجل دولة يدرك قيمة التفاصيل الصغيرة في تشكيل الوعي الجمعي، أن لا تاريخ لمن لا ذاكرة له، وأن فقدان الشاهد المادي هو فقدان لجزء من ذاكرتنا الجماعية، وطمس لعلامة من علامات المكان التي لا يمكن تعويضها.

فالقرار الذي يبدو بسيطا في ظاهره – المحافظة على باب قديم من الطوب – هو في عمقه إعلان صريح بأن الطنطـــــــــان تستحق أن يروى تاريخها لا أن يترك للاندثار. إن الحفاظ على هذا الباب هو فعل مقاومة صامتة ضد النسيان، وضد محو المعالم التي تسكنها أرواح الماضي وروائح الأيام الأولى من تشكل المدينة. وقد جسد السيد العامل عبر هذه الخطوة فلسفة واضحة: أن التنمية الحقيقية ليست فقط تعبيد طرق وبناء منشآت، بل أيضا صيانة للذاكرة وحماية للرموز التي تشكل الوجدان المشترك.

إن ما قام به السيد العامل ليس مجرد حماية لمعلَمة تاريخية، بل تثبيت لحقبة كاملة من تاريخ الطنطـــــــــان، وربط حي بين جيل الأمس وجيل اليوم. هكذا، يصبح الباب أكثر من بوابة قديمة: يصبح رمزا لرؤية بعيدة، ولقيادة اختارت أن تكتب اسمها في الذاكرة عبر حماية الذاكرة ذاتها.

 

إن هذا الباب لا يمثل فقط مدخلا لحديقة اندثرت، بل يمثل مدخلا إلى تاريخ الطنطـــــــــان ذاته، وإلى صفحات من الحياة الاجتماعية والثقافية التي صنعت روح المكان وملامحه عبر الزمن.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث