الملحفة الصحراوية ليست سلعة محايدة يمكن إدراجها ببساطة في جداول التعرفة الجمركية، ولا منتجًا استهلاكيًا يخضع لمنطق السوق البارد. إنها رمز هوية، ووعاء ذاكرة، وعلامة انتماء جماعي تشكّلت عبر قرون من التفاعل بين الإنسان والمجال الصحراوي.
وكل مقاربة تتجاهل هذا المعطى، إنما تمارس عن قصد أو غير قصد نوعًا من العنف الرمزي ضد ثقافة كاملة.
إن قرار رفع الرسوم الجمركية على الملحفة، وتعامل الإدارة معها باعتبارها “نسيجًا” كسائر المنسوجات، يكشف خللًا عميقًا في فهم العلاقة بين السياسة الجبائية والخصوصية الثقافية. فالخطر هنا لا يكمن فقط في ارتفاع الأسعار أو تراجع حركة السوق، بل في تكريس منطق اختزالي يُفرغ التراث من معناه، ويُحوّله إلى رقم في خانة الإيرادات.
الملحفة ليست مجرد لباس، بل هي امتداد لدور المرأة الصحراوية كحافظة للهوية وناقلة للتراث الحسّاني. ومع كل زيادة في الرسوم، تُدفع الحرفيات وصغيرات التاجرات إلى هامش أضيق، ويُقوّض مصدر عيش يرتبط بالكرامة قبل الربح. وهكذا تتحول القرارات الإدارية، التي يُفترض أن تكون محايدة، إلى أدوات إقصاء غير معلن لفئات هشّة، وإلى ضغط مباشر على تراث لامادي يفترض أن يحظى بحماية خاصة.
الأكثر إثارة للتساؤل هو هذا التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي الذي يرفع شعارات صون التراث وتمكين المرأة، والممارسة التي تُثقل كاهل نفس المرأة بسياسات لا تراعي خصوصية دورها الثقافي والاجتماعي.
أي تمكين هذا الذي يبدأ بإضعاف أدواته؟ وأي حماية للتراث تُمارس عبر رفع كلفة استمراره؟
إن الدول التي تحترم ذاكرتها الجماعية لا تُخضع رموزها الثقافية لمنطق الجباية الصمّاء، بل تبتكر سياسات استثنائية تميّز بين ما هو استهلاكي عابر، وما هو مكوّن بنيوي للهوية الوطنية. والملحفة الصحراوية، بكل ما تحمله من دلالات تاريخية واجتماعية، تستحق مقاربة من هذا النوع: تخفيف الرسوم، دعم سلاسل الإنتاج التقليدي، أو إدماجها ضمن استراتيجيات الاقتصاد الثقافي بدل خنقها بإجراءات مالية قصيرة النظر.
لا يتعلق الأمر برفض الإصلاحات المالية أو الطعن في حق الدولة في تنظيم مواردها، بل بتصحيح المسار حين ينحرف عن حماية الإنسان وثقافته. فالهوية ليست مادة خاضعة للضريبة، والتراث لا يُقاس بميزان الجمارك، بل بمدى قدرة السياسات العمومية على حمايته من التآكل البطيء باسم الأرقام.
حين تفرض الجباية على الهوية: الملحفة الصحراوية بين منطق الدولة وواجب الصون


Comments
0