في مشهد عابر في زمنه، عميق في دلالاته، وقف الأمير الجليل مولاي الحسن تحت المطر المنهمر كالشلال، لا يقي رأسه بمظلة، ولا يسمح لأحد من مرافقيه أن يحملها عنه، وهو يسلم بابتسامة صادقة على اللاعبين والطاقم التحكيمي، كأن المطر جزء من الطقس، وكأن التواضع جزء من كيانه لا ينفصل عنه.

لم يكن المشهد بروتوكولا مصطنعا، ولا لقطة محسوبة بعدسة كاميرا، بل كان درسا صامتا في الأدب الملكي، والتربية الرفيعة، والإنسانية الخالصة. أمير شاب، لكنه كبير بأخلاقه، ثابت في وقفته، قريب من الناس، يشاركهم اللحظة كما هي، دون حواجز ولا امتيازات مصطنعة.
في تلك اللحظة بدا واضحا أن العظمة لا تحتاج مظلة، وأن المكانة الحقيقية لا تقاس بما يرفع فوق الرؤوس، بل بما يسكن في القلوب. فالأمير الذي نشأ في بيت عرف بالتواضع، لا يرى في المطر ما يستوجب التمييز بينه وبين غيره، لأن القيمة في الإنسان، لا في المظهر.
وعلى الضفة الأخرى من المشهد، ظهرت صورة مغايرة: رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان تتحدث في الهاتف، بينما يقف خلفها رجل يحمل المظلة عنها، وهو تحت المطر. صورة تختزل مفارقة مؤلمة بين من يفترض فيه الدفاع عن كرامة الإنسان، ومن يتشرف بحملها فعلا دون ادعاء. ليست القضية في المظلة ذاتها، بل في الرمزية: من يقف تحتها، ومن يقف تحت المطر نيابة عن غيره.
وهنا يحضر البيت الشعري العميق، وكأنه كتب لهذا المشهد بالذات:
ملء السنابل تنحني بتواضع
والفارغات رؤوسهن شوامخ
فالسنابل الممتلئة، حين تثقل بالخير، تنحني تلقائيا، أما الفارغة فلا تجد ما يثقلها سوى الوهم، فترتفع بلا معنى. وهكذا كان الفرق واضحا بين تواضع نابع من الامتلاء القيمي، وسلوك يعكس فراغا لا تسده المناصب.
إن تواضع مولاي الحسن ليس موقفا عابرا، بل مرآة لتنشئة ملكية راسخة، تؤمن بأن الاحترام لا يفرض، بل يكتسب، وبأن القرب من الناس لا ينقص من الهيبة، بل يزيدها رسوخا. مشهد واحد، لكنه كاف ليعيد ترتيب المفاهيم، ويذكرنا بأن الأخلاق هي أعلى أشكال السلطة.
في زمن كثر فيه الاستعراض وقل فيه الجوهر، جاء هذا المشهد ليقول بهدوء:
العظمة أن تقف تحت المطر، كما يقف الجميع.
عن.. رمضان الجميعي


Comments
0