في سابقة تكشف عمق الاختلالات التدبيرية التي تعصف بمؤسسة ع ريقة يفترض فيها العناية بالشؤون الاجتماعية لقدماء المقاومين وتكريمهم، تواترت في الآونة الأخيرة معطيات مثيرة للقلق حول تدبير السيد مصطفى الكثيري للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. ملف يجمع بين شبهات الفساد المالي، والتسلط الإداري على الموظفين، وصفقات مشبوهة ترتبط بإنشاء مراكز ذاكرة بمئات الملايين لا علم لأحد بوجودها.لم تُفصح جدران المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير عمّا تخفيه من وثائق وسجلات تكشف تاريخًا إداريًا يثير تساؤلات جدية. فمنذ أن حلّ السيد مصطفى الكثيري على رأس هذه المؤسسة التي أُسست لتكريم وخدمة أسرة المقاومة والتحرير اجتماعيا وصون ذاكرتهم، تتراكم الاتهامات وتتصاعد الأصوات المطالبة بالمحاسبة من داخل المؤسسة وخارجها. تحقيقٌ استقصائي رصدنا فيه جملةً من الملفات الحساسة التي باتت تُلقي بظلالها الثقيلة على مؤسسة يُفترض أنها حارسة وفية لتاريخ النضال الوطني ببلادنا. أولًا: الفرقة الوطنية للدرك تطرق أبواب المندوبيةكشفت مصادر موثوقة أن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية للدرك الملكي أجرت تحقيقات معمّقة في عدد من الملفات المالية داخل المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير. وقد شملت هذه التحقيقات التدقيق في صفقات الشراء، وسندات الطلب، وعقود الأشغال، فضلًا عن نفقات السفريات الخارجية التي تبيّن أنها بلغت أرقامًا خيالية لا تتناسب مع حجم ما يُبرَّر من مهمات رسمية.ويأتي هذا التحقيق في سياق أشمل؛ إذ سبقه نزول مفتشي المفتشية العامة لوزارة المالية إلى مقر المندوبية للقيام بعملية افتحاص مالي شاملة، وهو ما أثار تساؤلات عديدة حول التوقيت وحقيقة أهدافه. فبينما يذهب بعض المطلعين على الملف إلى أن الافتحاص جاء استجابةً للمراسلات المتعددة التي وجهتها النقابات إلى السلطات المختصة، يرى آخرون أن المندوب نفسه بادر إلى طلبه بغرض استباق أي تحقيق خارجي، ولا سيما من قبل المجلس الأعلى للحسابات أو النيابة العامة، في محاولة لإعادة ضبط المشهد قبل اتساع الفضيحة.ثانيًا: مراكز الذاكرة… مشاريع الملايين لا علم لأحد بوجودهايُقدِّم مصطفى الكثيري إنشاءَ فضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير باعتبارها إنجازًا كبيرًا، وهو الورقة التي يلوّح بها في كل محفل رسمي وكل لقاء مع وسائل الإعلام. غير أن الواقع الميداني يكشف عن صورة مغايرة تمامًا لما يُروِّج له المندوب السامي.بلغ عدد هذه الفضاءات المنتشرة في مختلف ربوع المملكة ما يزيد على 106 وحدة، تراوحت تكاليف إنشائها بين 800 ألف درهم و3.5 ملايين درهم للوحدة الواحدة، حسب حجمها وموقعها. وتُمثّل هذه الأرقام غلافًا ماليًا إجماليًا ضخمًا صُرف من المال العام في إطار شراكات مع المجالس الجهوية والإقليمية. بيد أن شهادات مصادر موثوقة تكشف أن أغلب هذه المراكز تعيش حالة من الفراغ والركود، إذ تكاد لا تطأها قدم زائر أو طالب معرفة، بل لا يعرف كثير من المواطنين والفاعلين المحليين المجاورين لها بوجودها أصلًا.والأدهى من ذلك أن مصادر داخل المؤسسة تؤكد أن المسؤولين المعيَّنين من قبل الكثيري على رأس هذه الفضاءات تحولوا في الغالب إلى مجرد “حراس على المباني”، يمضون أيام عملهم بلا مهام حقيقية ولا برامج ثقافية وتربوية فاعلة بل فقط كتابة تقارير تضخيمية حول زيارات يومية بالالاف ترسل على أساس أن هذه الفضاءات بها زيارات بالالاف. وهو ما يثير تساؤلات جدية حول الجدوى الحقيقية من هذه المشاريع، ويدفع إلى التساؤل عما إذا كانت الغاية منها التنشيط الثقافي الفعلي، أم مجرد توظيف الصفقات وتوزيع الريع على دوائر المقربين.ثالثًا: التسلط الإداري… جحيم يعيشه الموظفون كل يوملا تقتصر الاتهامات الموجهة إلى مصطفى الكثيري على الملف المالي؛ إذ يكشف الجانب الإداري من مساره عن نمط تسييري قوامه الانتقام والإقصاء. فقد باتت المندوبية في عهده مسرحًا لممارسات تنتهك صريح النصوص القانونية المنظِّمة للوظيفة العمومية.وتكشف تصريحات أن الكثيري لجأ إلى ترسانة من الأساليب التعسفية بحق الموظفين الذين أبدوا أي قدر من المعارضة أو الانتماء النقابي، وتشمل هذه الأساليب: التنقيلات التعسفية من دون أي مبرر قانوني، والإحالة على مجالس تأديبية بتهم ملفقة، ومنح تنقيطات انتقامية تحرم أصحابها من الترقي والحقوق المهنية، فضلًا عن رفض منح الإجازات السنوية المكفولة قانونًا، وهي ممارسة وُصفت بأنها “خرق سافر للتشريعات الوطنية والمواثيق الدولية لحقوق العمال”.وقد بلغ الأمر حدًا دفع مجموعة من الموظفين إلى مراسلة رئيس الحكومة السيد عزيز أخنوش بصفة شخصية يستغيثون فيها بتدخله العاجل لوضع حد لما وصفوه بـ”سياسة التمييز والانتقام الممنهج”. وقد وصل الملف إلى قبة البرلمان، حين وجّه الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب سؤالًا كتابيًا إلى الحكومة بشأن حرمان موظفي المندوبية من رخصهم السنوية ورخص الأبوة.كما كشفت وقائع موثقة أن المندوب أصدر قرارات إعفاء بحق مسؤولين جهويين بسبب انتمائاتهم الحزبية، في سلوك يُجسِّد توظيف السلطة الإدارية خدمةً لحسابات ضيقة وإقصاءً ممنهجًا لكل من لا يسير في فلك المندوب السامي.رابعًا: النقابات تُعلن الحرب… والاتحاد المغربي للشغل يتدخل.لم تصمت النقابات على هذه الأوضاع؛ فقد خاضت النقابة الوطنية لموظفي المندوبية، المنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، جملةً من الوقفات الاحتجاجية أمام مقر المندوبية بالرباط، رافعةً شعارات تُدين ما سمّته “انتهاك صريح للحريات والحقوق”.وفي رسالة مفتوحة موجهة إلى المندوب السامي، أكدت النقابة أن ما وصفته بـ”مسلسل إهانة الشغيلة” لن يستمر، محمِّلةً المسؤولية الكاملة للتسيير الإداري الراهن عمّا ستؤول إليه الأوضاع. وذهب المسؤولون النقابيون في اتهاماتهم إلى حد وصف التحقيقات الداخلية التي أطلقها الكثيري بـ”المسرحيات” الهادفة إلى التستر على الفساد وكسب الوقت حتى يطال النسيانُ والتقادمُ الملفاتِ الساخنة.وقد كان لتأسيس مكتب للاتحاد المغربي للشغل داخل المندوبية أثرٌ عكسي توقع المنتسبون إليه أن يُزيل عنهم الغبن؛ إذ سارع الكثيري، وفق ما أكده الأمين العام للاتحاد، إلى “شنّ حملة إجراءات عدائية” بحق الإطارات النقابية، تمثلت في توقيفهم وإحالتهم على المجلس التأديبي وإصدار في حقهم قرارات وُصفت بـ”الشطط في استخدام السلطة”. بل امتدت التبعات لتطال حتى موظفين من ذوي الاحتياجات الخاصة، في مشهد أثار موجة واسعة من الاستنكار في الأوساط الحقوقية والنقابية.خامسًا: غياب مثير وضغوط من دوائر عليافي منعطف يُضفي مزيدًا من الغموض على هذا الملف الشائك، رصدت وسائل إعلام عدة غيابًا مطوّلًا للكثيري عن مكتبه لفترات متفاوتة، دون أي تفسير . وقد ربطت مصادر مطلعة هذا الغياب بما وصفته بـ”غضبة دوائر عليا”، وعدم رضاها على الأخطاء المتكررة للكثيري. وتُشير معطيات متطابقة إلى أن المندوبية ستشهد قريبًا حركة انتقالية واسعة في صفوف النواب الجهويين والإقليميين والمسؤولين على فضاءات الذاكرة التاريخية، تستهدف بحسب المصادر الأطر التي اتسمت بالاستقلالية أو أبدت أي تقاطع مع النقابات، في خطوة تبدو وكأنها تصفية حسابات ما قبل الرحيل.شهادة موظف (طلب عدم الكشف عن هويته(:”أعمل في هذه المؤسسة منذ سنوات، وقد شهدتُ بأم عيني كيف يتحول الزملاء المنتمون للنقابة إلى أهداف للانتقام. مسؤول قضى عشرين سنة في نفس المنصب يُنقَّل فجأة إلى إقليم نائٍ دون أي تبرير، ومن يجرؤ على طلب إجازته القانونية يجد نفسه أمام لجنة تأديبية. المؤسسة لم تعد تعمل وفق منطق المصلحة العامة، بل وفق منطق الولاء الشخصي أو العقاب الجماعي. الصمت هو الخيار الوحيد للبقاء، لكن هذا الصمت يقتلنا ببطء.”تصريح مسؤول نقابي (طلب عدم الكشف عن هويته(“ما يجري في مندوبية المقاومين ليس مجرد خلافات إدارية عادية، بل هو نظام ممنهج لقمع أي صوت مختلف. الكثيري يستعمل المندوبية كإقطاعية خاصة؛ هناك شبهات توزيع الصفقات على المقربين، والفضاءات تُنشأ لاستيعاب الريع لا لخدمة الذاكرة الوطنية. هذه الفضاءات التي لا يكاد يرتادها أحد. نطالب برقابة قضائية وبرلمانية جادة وبمحاسبة فعلية لا شكلية.” خلاصة وتساؤلات مشروعةتجمع هذه الملفات المتشابكة صورةً قاتمة عن واقع المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في عهد مصطفى الكثيري: مؤسسة يُفترض أنها الحارس الأمين لذاكرة الشهداء والمجاهدين، أضحت محلّ تساؤلات عميقة حول حجم الهدر في المال العام، وسوء التدبير الإداري، وانتهاك حقوق الموظفين.إن العدد الكبير من فضاءات للذاكرة تُكلِّف الملايين ولا يُقبل عليها أحد، وموظفين يُحرَمون من إجازاتهم ويُهدَّدون بالمجالس التأديبية، و شبهات اختلاسات يُسوَّى أمرها في الكواليس بدل أن تأخذ طريقها إلى القضاء، كلها علامات فارقة تُلزم بتساؤلات مشروعة: إلى متى ستبقى هذه المؤسسة بعيدة عن المحاسبة الحقيقية؟ ومن يتحمل مسؤولية صون كرامة الذين ضحّوا بأرواحهم من أجل هذا الوطن؟
أربع وعشرون عامًا من التسلط وشبهات الفساد: مصطفى الكثيري وإمبراطوريته الخفية في مندوبية قدماء المقاومين


Comments
0