رمضان ( من صوم الجسد إلى امتحان الكرامة )
رمضان في المغرب ليس مجرد طقس ديني أو مناسبة روحية، بل هو مرآة كاشفة لواقع المواطن بكل تناقضاته. ففي الوقت الذي يُفترض أن يكون شهر الرحمة والتكافل، يتحول عند فئات واسعة إلى شهر ضغط اقتصادي ومعاناة يومية. الأسواق تعرف ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار، خاصة في المواد الأساسية التي تشكل عماد المائدة المغربية، وهو ارتفاع لا يفسره فقط الطلب الموسمي، بل يكشف عن اختلالات هيكلية في منظومة التوزيع والرقابة، وعن غياب سياسات ناجعة لحماية القدرة الشرائية. المواطن البسيط يجد نفسه أمام معادلة قاسية: كيف يحافظ على تقاليد الإفطار والسحور في ظل دخل محدود لا يواكب تضخم الأسعار؟
هذا الواقع يضعنا أمام مفارقة مؤلمة: شهر يفترض أن يكون مناسبة للرحمة يصبح عند البعض شهراً للمعاناة. الفوارق الاجتماعية تتجلى بوضوح؛ أسر تنعم بوفرة ورفاهية، وأخرى تكافح لتأمين أبسط الحاجيات. هذه الهوة بين الطبقات تجعل من رمضان مرآة لعدم المساواة، وتطرح سؤالاً جوهرياً حول العدالة الاجتماعية في السياسات العمومية. فهل يمكن الحديث عن قيم التكافل في ظل غياب آليات مؤسساتية تضمن توزيعاً عادلاً للثروة وتخفيفاً حقيقياً من الأعباء؟
المواطن يعيش رمضان بين فرحة روحية وضغط مادي، فيتولد شعور بالازدواجية: من جهة، التمسك بالقيم الدينية والروحية؛ ومن جهة أخرى، الإحساس بالغبن أمام واقع اقتصادي لا يرحم. هذا التوتر النفسي والاجتماعي يفضح هشاشة البنية الاقتصادية، ويكشف أن الأزمة ليست ظرفية مرتبطة برمضان، بل هي بنيوية تتكرر في كل مناسبة وتزداد حدتها مع كل أزمة.
إن معالجة أوضاع المواطن تتطلب أكثر من حلول موسمية أو مبادرات ظرفية، بل رؤية شمولية تضع الإنسان في قلب السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالتكافل لا ينبغي أن يظل مجرد شعار ديني أو مبادرة خيرية محدودة، بل أن يتحول إلى ممارسة مؤسساتية تضمن الكرامة والعدالة. رمضان بهذا المعنى ليس فقط امتحاناً للصبر، بل اختباراً لمدى قدرة المجتمع والدولة على تحويل قيم الرحمة إلى واقع ملموس، يخفف عن المواطن أعباء الحياة ويعيد له الثقة في أن العدالة ليست حلماً بعيداً، بل حقاً أصيلاً.
إن قوة رمضان تكمن في قدرته على كشف المستور: أن يضعنا أمام أنفسنا، أمام سياساتنا، وأمام مسؤولياتنا. فإذا كان الصوم يعلّمنا الصبر، فإن الواقع يفرض علينا أن نحول هذا الصبر إلى قوة للمطالبة بالعدل، وأن نجعل من قيم الرحمة والتكافل أساساً لإصلاح اجتماعي واقتصادي يعيد للمواطن مكانته وكرامته. فالمغربي لا يحتاج فقط إلى خطب دينية تذكّره بفضائل الشهر، بل إلى سياسات عملية تضمن له أن يعيش رمضان بطمأنينة، وأن يجد في هذا الشهر المبارك فرصة للراحة الروحية لا مناسبة لتفاقم المعاناة.


Comments
0