سنوات الصحافة كما عاشها أحمد بوز… بوحٌ من داخل مختبر المهنة وحدودها الحمراء - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

سنوات الصحافة كما عاشها أحمد بوز… بوحٌ من داخل مختبر المهنة وحدودها الحمراء

IMG-20251120-WA0072

يشكّل صدور كتاب “سنوات الصحافة: أوراق من زمن الصحيفة ولوجورنال” للكاتب والاستاذ الجامعي أحمد بوز لحظة مهمة في إعادة قراءة واحدة من التجارب التي طبعت المشهد الإعلامي المستقل في المغرب خلال العقد الأول من الألفية الجديدة.

الكتاب لا يقدم مجرد سرد لمذكرات صحفي عاش تجربة داخل غرفة الأخبار، بل يضع القارئ أمام شهادة من قلب زمن كان فيه الرهان أكبر من الوسائل، وكانت فيه الصحافة تقترب من الخطوط الحمراء بجرأة نادرة.

يعود المؤلف في هذه الأوراق إلى الفترة الممتدة بين 2001 و2008، سنوات اشتغاله داخل الأسبوعية “الصحيفة” بعد انتقاله إليها من “النشرة”، قبل أن يقرر مغادرة المهنة نهائياً.

لا يخفي الاستاذ احمد بوز أن التجربة كانت أشبه بمختبر يومي للضغط، والتوتر، والاندفاع، والبحث الدائم عن صياغة دقيقة للخبر دون أن يسقط في المحذور أو يتحول إلى صدى للسلطة. ويظهر في سرده مقدار المعارك الصغيرة والكبيرة التي يخوضها الصحفي حين يقرر الاصطفاف إلى جانب الكلمة الحرة في سياق سياسي لا يرحم.

يقدم الكتاب مشاهد حية من داخل غرف التحرير: اجتماعات تحرير تمتد لساعات، نقاشات حول عناوين قد تقلب ميزان عدد كامل، وارتباك دائم أمام قضايا سياسية ودينية وحقوقية تشكل اختباراً لحدود الهامش الذي بدا في تلك الفترة أوسع مما هو عليه الآن. ومع مرور الصفحات، يكتشف القارئ أن ذلك الهامش لم يكن في الحقيقة سوى “سقف مرن ظاهرياً وصلب في العمق”، كما يصفه المؤلف.

ورغم انتقال الاستاذ أحمد بوز لاحقاً إلى الجامعة وتفرغه الكامل للتدريس والبحث العلمي، إلا أن علاقة الكاتب بالصحافة لم تنقطع. فهو يرى، كما يقول، أن “من يحب الصحافة كمن يُبتلى بمرض مزمن”، وأن مغادرة المهنة لا تعني أبداً مغادرة شغفها. هكذا تستمر المتابعة، والتحليل، والاهتمام، حتى بعد خمسة عشر عاماً قضاها داخل الجامعة.

لا يكتفي الكتاب بتوثيق تجربة شخصية، بل يفتح أيضاً نافذة لقراءة سياق إعلامي عاش لحظة مفصلية: بدايات ما سمي بـ”العهد الجديد”، تحولات الدولة العميقة، صعود جيل صحفي حاول بناء سلطة رابعة، ثم انكسار الأحلام عند أول اصطدام بجدار المنع، والإفلاس المالي، والضغوط السياسية.

“سنوات الصحافة” ليس مجرد دفتر مذكرات، بل مساهمة في حفظ جزء من الذاكرة الإعلامية المغربية، وتوثيق مرحلة كانت فيها الكلمة مشروعا إصلاحيا يطمح للقطع مع زمن الخوف. إنه كتاب يعيد طرح سؤال ظل معلقاً: هل كانت تلك المغامرة مجرد حلم مؤجل، أم لحظة كان يمكن أن تغيّر مسار إعلام بأكمله لو أُتيحت له شروط الحياة؟

بهذا العمل، يضع أحمد بوز بين يدي القرّاء شهادة صادقة، متماسكة، ومليئة بالتفاصيل، تضيء جانباً من تاريخ الصحافة المستقلة في المغرب، وتعيد الاعتبار لجيل حاول أن يقول الحقيقة في زمن كان قول الحقيقة مغامرة في حد ذاته.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث