يشهد مشروع “سيتي سيدي معروف” اهتماماً متزايداً من طرف المتتبعين للشأن المحلي، باعتباره واحداً من الأوراش العمرانية التي يُراهن عليها لإعادة تشكيل المشهد الحضري بمنطقة سيدي معروف. غير أن هذا المشروع، رغم ما يُقدم حوله من وعود مرتبطة بإحداث فضاء حضري حديث، يثير في المقابل نقاشاً واسعاً حول مدى توفره على مقومات المدينة المتكاملة، خاصة في ظل تجارب سابقة خلفت مجموعة من التساؤلات حول جودة التخطيط العمراني وتوازن البنيات التحتية.
إن تقييم أي مشروع حضري لا يمكن أن ينفصل عن قراءة التجارب السابقة التي عرفتها المنطقة، حيث أظهرت بعض المشاريع السكنية الكبرى أن التوسع العمراني السريع، في غياب مواكبة حقيقية بالمرافق الأساسية، يؤدي إلى خلق أحياء مكتظة تفتقر إلى شروط العيش المتوازن.
وفي هذا الإطار، تُستحضر نماذج سكنية تم إنجازها خلال السنوات الماضية، والتي رغم أهميتها من حيث توفير السكن، إلا أنها عانت من خصاص واضح في المرافق العمومية، مثل المؤسسات الصحية، والأسواق المنظمة، والمساحات الخضراء، والفضاءات الرياضية، فضلاً عن ضعف البنيات التحتية المرافقة، ما انعكس بشكل مباشر على الحياة اليومية للساكنة.
هذا الوضع أدى إلى بروز عدة إشكالات ميدانية، أبرزها الضغط المتزايد على الخدمات الأساسية، وصعوبة الولوج إلى بعض المرافق، إضافة إلى غياب فضاءات ترفيهية قادرة على تلبية حاجيات مختلف الفئات الاجتماعية، خصوصاً الشباب والأطفال.
وفي ظل هذه المعطيات، يطرح مشروع “سيتي سيدي معروف” نفسه كاختبار جديد في مجال التخطيط الحضري، حيث ينتظر المواطنون أن يكون هذا المشروع مختلفاً عن سابقاته، من خلال اعتماد رؤية شمولية لا تقتصر على البناء السكني فقط، بل تشمل أيضاً إحداث منظومة متكاملة من الخدمات والمرافق.
ومن الناحية التنظيمية، فإن القوانين المؤطرة لقطاع التعمير تنص بوضوح على ضرورة إدماج المرافق الأساسية ضمن أي مشروع سكني، بما يضمن تحقيق التوازن بين السكن والخدمات، غير أن الإشكال يظل مرتبطاً بمدى احترام هذه المقتضيات أثناء التنفيذ، وكذا بفعالية المراقبة والتتبع من طرف الجهات المختصة.
كما أن دور السلطات المحلية والجهات الوصية يظل محورياً في ضمان احترام دفاتر التحملات، وتفادي أي اختلالات قد تؤثر على جودة المشروع في المستقبل، خصوصاً في ظل تزايد الطلب على السكن بالمنطقة، وما يرافقه من توسع عمراني متسارع.
ومن جهة أخرى، يبرز البعد الاجتماعي للمشروع باعتباره عاملاً أساسياً في تقييم نجاحه، إذ لا يكفي توفير وحدات سكنية جديدة، بل يجب ضمان بيئة حضرية متكاملة توفر شروط العيش الكريم، وتستجيب لحاجيات الساكنة اليومية، من تنقل، وصحة، وتعليم، وترفيه.
إن غياب هذا التوازن قد يؤدي إلى خلق أحياء سكنية تفتقر إلى الهوية الحضرية المتكاملة، وتتحول مع مرور الوقت إلى فضاءات تعاني من ضغط متزايد على البنيات التحتية، وهو ما سبق أن سجلته عدة تجارب عمرانية في مناطق مختلفة.
وفي هذا السياق، يظل مشروع “سيتي سيدي معروف” أمام مسؤولية كبيرة، ليس فقط على مستوى إنجازه، بل أيضاً على مستوى فلسفة التعمير التي يقوم عليها، والتي يُفترض أن تضع الإنسان في صلب الاهتمام، باعتباره المستفيد الأول من أي تنمية عمرانية.
في المحصلة، يبقى مشروع “سيتي سيدي معروف” بين رهانات كبيرة وتحديات واقعية، حيث يتوقف نجاحه على مدى احترام مبادئ التخطيط الحضري المتكامل، وتوفير مختلف المرافق الأساسية التي تضمن جودة الحياة للساكنة.
وبين الطموح في بناء مدينة حديثة، والخوف من إعادة إنتاج نفس الاختلالات، تبقى الأنظار موجهة نحو طريقة تنزيل هذا المشروع على أرض الواقع، باعتباره اختباراً حقيقياً لمدى قدرة الفاعلين في قطاع التعمير على تقديم نموذج حضري متوازن ومستدام.
وفي النهاية، تظل الكلمة للميدان ولتجربة الساكنة التي ستكشف إن كان هذا المشروع بداية تحول فعلي أم مجرد امتداد لواقع مألوف.


Comments
0