تعيش منطقة سيدي معروف، التابعة لعمالة مقاطعة عين الشق، على وقع تحولات عمرانية وديمغرافية متسارعة جعلت منها واحدة من أبرز الأقطاب الحضرية الصاعدة. غير أن هذا التوسع الكبير لم يواكبه، وفق ما تعيشه الساكنة، تطور مماثل في البنيات الصحية، ما أفرز وضعًا مقلقًا يطرح بإلحاح سؤال العدالة المجالية في توزيع الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الحق في العلاج، الذي يظل أحد الحقوق الدستورية التي لا تقبل التأجيل أو التهميش.
لم تعد سيدي معروف تلك المنطقة الهادئة محدودة الكثافة، بل تحولت إلى فضاء حضري يعج بآلاف الأسر، نتيجة تزايد المشاريع السكنية واستقطابها لفئات مختلفة من المجتمع. هذا التحول كان من المفروض أن يواكبه تعزيز في البنيات التحتية، خاصة الصحية، إلا أن الواقع يكشف عن خصاص واضح في هذا المجال، يجعل الساكنة تواجه يوميًا تحديات حقيقية في الولوج إلى أبسط الخدمات الطبية.
ففي غياب مستوصف محلي مجهز، يجد المرضى أنفسهم أمام خيار وحيد يتمثل في التنقل نحو مناطق أخرى بحثًا عن العلاج، وهو أمر يزداد صعوبة في الحالات المستعجلة التي تتطلب تدخلًا سريعًا. هذا الوضع لا يؤثر فقط على راحة المرضى، بل قد يشكل خطرًا حقيقيًا على حياتهم، خاصة في ظل الضغط الذي تعرفه المؤسسات الصحية المجاورة.
أما النساء الحوامل، فيواجهن بدورهن معاناة مضاعفة، نتيجة غياب دار للولادة داخل المنطقة، حيث يضطررن إلى قطع مسافات طويلة لمتابعة الحمل أو الوضع، في ظروف قد تكون غير ملائمة، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى مراعاة خصوصية هذه الفئة واحتياجاتها الصحية الأساسية.
ولا يختلف وضع مرضى الأمراض المزمنة كثيرًا، إذ يعانون من غياب تتبع طبي منتظم وقريب، ما ينعكس سلبًا على حالتهم الصحية، ويجعلهم عرضة لمضاعفات يمكن تفاديها بسهولة في حال توفر خدمات صحية مستمرة ومؤطرة.
وأمام هذا الواقع، ارتفعت أصوات الساكنة مطالبة بإجراءات عملية تضع حدًا لهذا الخصاص، حيث لم يعد المطلب يقتصر على إحداث مستوصف أو تعزيز خدمات القرب فقط، بل تطور إلى دعوة صريحة لإحداث مستشفى متكامل بسيدي معروف، يكون قادراً على تقديم خدمات صحية شاملة، تشمل مختلف التخصصات، وتتوفر فيه مصالح المستعجلات، والتوليد، والعلاجات الأساسية والمتقدمة.
هذا المطلب يعكس وعيًا متزايدًا لدى الساكنة بأهمية التخطيط الصحي المستقبلي، الذي يجب أن يواكب التحولات الديمغرافية، ويستجيب للحاجيات المتزايدة، بدل الاكتفاء بحلول ترقيعية لا تعالج جوهر الإشكال. فوجود مستشفى متكامل لن يخفف فقط من معاناة التنقل، بل سيساهم أيضًا في تخفيف الضغط على باقي المؤسسات الصحية، وتحقيق نوع من التوازن في توزيع الخدمات.
كما ترى الساكنة أن تحقيق هذا المشروع يتطلب إرادة حقيقية من الجهات المعنية، إلى جانب اعتماد مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار انتظارات المواطنين، وتعمل على إشراكهم في بلورة الحلول، بما يعزز الثقة ويضمن نجاعة التدخلات.
وفي خضم هذه التحديات، يبرز دور المجتمع المدني والفعاليات المحلية في تأطير النقاش العمومي، والدفع نحو تبني هذا المطلب كأولوية تنموية، من خلال الترافع المستمر، وتوحيد الجهود، وإيصال صوت الساكنة إلى مختلف مستويات القرار.
إن الوضع الصحي بسيدي معروف لم يعد يحتمل المزيد من التأجيل، في ظل تزايد عدد السكان وتفاقم الحاجيات. وبين واقع الخصاص وتنامي الوعي المجتمعي، يتحول مطلب إحداث مستشفى متكامل من مجرد فكرة إلى ضرورة ملحّة تفرضها كرامة المواطن وحقه في العلاج. فالتنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالبنايات والمشاريع، بل بمدى قدرتها على توفير شروط العيش الكريم، وعلى رأسها الصحة، التي تبقى حجر الأساس لكل تقدم اجتماعي منشود.


Comments
0