في لحظة يفترض أن تتجلى فيها أسمى معاني الخشوع، وأن تصمت فيها الأصوات إلا لذكر الله، تتسلل صور صادمة من بعض ساحات صلاة العيد، تكشف واقعًا لا يمكن تبريره ولا التخفيف من وطأته. واقع يطرح سؤالًا قاسيًا: متى فقدت الشعيرة هيبتها في نفوس البعض؟
صلاة العيد ليست مناسبة للظهور ولا ساحة للاستعراض، وليست فضاءً مفتوحًا للعبث أو التهاون. ومع ذلك، تتحول في بعض المشاهد إلى فوضى مكتملة الأركان: صفوف مختلة، اتجاهات متباينة، انشغال بالهواتف، ضحكات تتعالى، وأحاديث تُلقى بلا اكتراث، كأن المصلين في لقاء عابر لا في حضرة عبادة عظيمة. أيّ استهانة هذه التي تجعل الوقوف بين يدي الله لحظة هامشية يمكن التشويش عليها دون أدنى شعور بالمسؤولية؟
الأمر لم يعد مجرد أخطاء فردية عابرة، بل أصبح نمطًا مقلقًا يعكس خللًا في الوعي، وتراجعًا في تعظيم الشعائر. حين يغيب الانضباط، وتُهمّش الآداب، ويُستبدل الوقار بالاستخفاف، فإننا لا نكون أمام مجرد سلوكيات خاطئة، بل أمام تفريغ خطير للعبادة من مضمونها، وتحويلها إلى شكل بلا روح.
وفي الجهة الأخرى، هناك صور تُعيد الثقة وتبعث الطمأنينة: صفوف متراصة، سكون مهيب، وجوه متجهة بخشوع، وأجواء تُشعرك أنك أمام لحظة استثنائية لا تتكرر إلا بمعناها العميق. هناك، تُحفظ الشعيرة لأن الناس يدركون قيمتها، ويصونونها بسلوكهم قبل أقوالهم.
إن التهاون في مثل هذه المظاهر ليس أمرًا بسيطًا يمكن التغاضي عنه، بل هو انحدار يجب التصدي له بوضوح وحزم. فالشعائر لا تُصان بالنوايا فقط، بل بالانضباط والاحترام والوعي. الصمت عن هذه الفوضى مشاركة ضمنية في ترسيخها، والتغاضي عنها تفريط في قدسية لا يجوز التفريط فيها.
لقد آن الأوان لإعادة رسم الحدود، واستعادة هيبة الشعيرة، ورفض كل ما يُسيء إلى مقامها. فإما أن تُؤدى صلاة العيد كما ينبغي، بخشوع يليق بها، أو نكون قد فتحنا الباب لتحويل المقدّس إلى عادة فارغة، لا توقظ في النفوس خشية ولا تبعث فيها أثرًا.



Comments
0