لم يعد عيد الأضحى كما كان في الذاكرة الجماعية، مناسبةً صافيةً للفرح والتكافل، بل صار محطةً تختلط فيها مشاعر البهجة بمرارة الواقع. ففي ظل موجة الغلاء التي طالت كل شيء، من أسعار الأضاحي إلى أبسط متطلبات العيش، يجد المواطن نفسه أمام معادلة قاسية: كيف يحافظ على طقوس العيد دون أن ينهار تحت ضغط التكاليف؟الأسواق هذا العام لا تعكس فقط حركة البيع والشراء، بل تكشف عن حجم الاختلال الذي أصاب القدرة الشرائية. الأسر التي كانت تستعد للعيد بطمأنينة، أصبحت اليوم تحسب كل درهم، وتوازن بين الضروريات، بينما تحول اقتناء الأضحية من شعيرة دينية واجتماعية إلى عبء ثقيل يرهق كاهل الكثيرين. وهنا، لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع الأسعار، بل بإحساس عام بأن التوازن الاجتماعي بدأ يتصدع.وفي خضم هذا الوضع، تبرز قضية هدم البيوت، التي أضافت جرحًا آخر إلى جسد المجتمع. كيف يمكن للعيد أن يُستقبل بالفرح، وهناك من فقد سقفًا كان يأويه؟ كيف تُذبح الأضاحي في وقت تُذبح فيه الطمأنينة لدى أسر شُردت أو تعيش تحت تهديد الإخلاء؟ إن مشاهد الهدم، مهما كانت مبرراتها، تترك أثرًا نفسيًا عميقًا، خاصة حين تتزامن مع مناسبة يفترض أن تكون عنوانًا للأمان والتراحم.إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة ظرفية، بل انعكاس لوضع مركب تتداخل فيه العوامل الاقتصادية والاجتماعية. الغلاء يضغط، والهشاشة تتسع، والفوارق تتعمق، بينما المواطن البسيط يجد نفسه في مواجهة مباشرة مع واقع لا يرحم. وفي وسط كل هذا، يبقى السؤال معلقًا: أين موقع الإنسان في كل هذه التحولات؟عيد الأضحى، في جوهره، ليس فقط طقسًا، بل رسالة تضامن وتقاسم. لكن هذه الرسالة تصبح مهددة حين تغيب شروط الكرامة والاستقرار. لذلك، فإن استعادة روح العيد اليوم لا تمر فقط عبر الحفاظ على الشعائر، بل عبر إعادة الاعتبار لقيمة الإنسان، وضمان حقه في العيش الكريم.المهم أن تُذبح الأضاحي ككل عام، لكن الأهم هو ألا تُذبح معها مشاعر الأمل، ولا تُهدم معها بيوت المعنى داخل النفوس. لأن العيد، قبل أن يكون مناسبة، هو إحساس… وإذا ضاع الإحساس، ضاع كل شيء.
عيد الأضحى في زمن القلق… حين تُثقل الفرحة بثلاثية الغلاء والهدم والهشاشة


Comments
0