مهندسو الأحلام: كيف يبني كاتب السيناريو عوالمه المتخيلة؟ ـ الرحلة الأبدية: بين حرية الخيال وحدود الصفحة.
عندما يولد السيناريست من رحم الخيال
في اللحظة التي تلامس فيها أنامل الكاتب مفاتيح لوحة المبدع،يبدأ رحلة لا تنتهي بين أودية المتخيل وقمم الحقيقة،السيناريست الموهوب ليس مجرد كاتب عادي،بل هو رحّالة في عوالم غير مرئية،وساحر يحول الومضات العابرةوالأفكار المطروحة في المجتمع إلى عوالم متكاملة،هذه الرحلة بين الفكرة الأولية (البيتش) والعمل النهائي،هي رحلة تحمل في طياتها وجع الخلق ولذة الإبداع.
الفصل الأول: الوميض الأول… هل “البيتش” هو السيناريو؟
“البيتش – تلك الفكرة المركزية والولادة العسيرة،التي يمكن سردها في جملتين أو ثلاث – ليست سيناريو، بل هي البذرة الأولى التي تحمل في داخلها الشفرة الوراثية للعالم الذي سيُخلق،كما يقول الكاتب العظيم وليام غولدمان:”في البداية،لا يوجد شيء،ثم فجأة… هناك شيء”
أمثلة حية:
“لعبة العروش”: بدأت كفكرة بسيطة عن صراعات العوائل النبيلة في عالم خيالي،لكن جورج مارتن حوّلها إلى كون درامي معقد.
“إنسبشن” (بداية): كانت مجرد سؤال: “ماذا لو استطعنا الدخول إلى أحلام الآخرين؟” لتصبح واحدة من أعقد حبكات السينما الذهنية.
البيتش هو الشرارة،أما النار فتحتاج إلى وقود المتخيل وزاد الحرفة،والكثير من سر الموهبة الفطرية.
الفصل الثاني: وجع المتخيل… حين يتحول الخيال إلى كابوس خلاق
المتخيل السينمائي/البصري/الدرامي،ليس فضاءً حراً بلا قيودا،بل هو عالم له قوانينه الصارمة، السيناريست الموهوب يعاني من”وجع المتخيل”- ذلك الصراع بين رغبة الخيال في التحليق بدون حدود،وضرورة السرد في الالتزام ببناء متماسك،وهنا يكمن سر الإبداع.
متى وكيف يُلجم السيناريست خياله الجامح؟
قانون السببية السينمائية: كل حدث خيالي يحتاج إلى سبب مقنع داخل منطق العمل الفني،المخيال الجامح يشبه النهر الجارف،والدربة هي السد الذي يوجه طاقته لتوليد الإبداع،والسيناريست هو المايستروأو القبطان الذي يتحكم في قيادة السفينة والمركب بلا مجازفة ولاغرق في التفاصيل.
الانضباط السردي: كما يقول سيد فيلد في كتابه”السيناريو”،”الخيال يمنحك الأجنحة،لكن البنية(البناء الحكائي+المناورات الدرامية) تمنحك الطريق لتطير وتحلق فيه بنشوة وثقة الربان المحنك.
التوازن بين الابتكار والوضوح: المخيال المفرط قد ينفر المشاهد(الجمهور)،بينما الواقعية المفرطة تفقد العمل سحره.
مثال تطبيقي: في فيلم “المريض الإنجليزي”،استطاع أنتوني مينغيلا تحويل رواية معقدة إلى سيناريو يحافظ على الشعرية دون إغفال الوضوح الدرامي
الفصل الثالث: زاد الحيلة… الموهبة الفطرية أم المكتسبة؟
العلاقة بين الموهبة الفطرية والمهارة المكتسبة في كتابة السيناريو تشبه العلاقة بين النغمة الموسيقية الفطرية ومعرفة النوتة الموسيقية:
الموهبة الفطرية (زاد المتخيل):
حساسية استثنائية للقصص البشرية(السيناريت البارع والموهوب،هو من يمتلك الموهبة الفطرية لترجمة قصص الناس المتناثرة على الرصيف إلى بهجة فرجوية،وتشويق بصري ساحر).
القدرة على رؤية العالم عبر عدسة درامية(حين يبرع السيناريست في تحويل السيناريو الأدبي إلى سكريبت قادر على ترجمة رؤيته الإبداعية).
الحدس السردي في توقع ما يشد المشاهد(هنا يصبح الدهاء والدربة زاد السيناريست).
المهارة المكتسبة (زاد الحيلة):
تقنيات إختيار وبناء الشخوص (تفنن السيناريست في رسم حدود وأقواس التحول والعلاقات بين الشخوص الرئيسية والثانوية،وخصائص كل شخصية ونوع الحوارات،وإدارة الشخوص لأحداث القصص المحورية،والقصص المكملة).
هندسة المشاهد وتوقيتها (قدرة السيناريست على إدارة ومواكبة التطور الشمولي لقصة السيناريو وابتكار مشاهد وقفلات التشويق)
حرفة الحوار وصياغة المشاهد المرئية( قدرة السيناريست على الملاءمة بين المناورات الدرامية والحوارات،وتموقع الأحداث،والتحكم في الزمن الكرونولوجي لمسار القصة،بختمة تشويق( La chute) مبهرة وجذابة.
السيناريست الناجح هو من يتحكم في هذه المهارات معاً،مثل أكيرا كوروساوا الذي جمع بين الخيال الشرقي الخصب وتقنيات السرد الغربية في فيلم “راشومون”،محولاً حادثة بسيطة إلى تحفة عن نسبية الحقيقة.
الفصل الرابع: تحويل الواقع إلى بهجة بصرية وعمق درامي
استراتيجيات التحويل السحري:
التضخيم الانتقائي: اختيار جوانب من الواقع وتكبيرها درامياً، كما فعل بيدرو ألمودوفار في أفلامه التي تحول الحياة اليومية الإسبانية إلى كرنفال درامي.
الاستعارة البصرية: تحويل المفاهيم المجردة إلى صور سينمائية، مثلما حوّل دينيس فيلنوف رواية “دني” إلى فيلم “كثبان الرمل”،حيث أصبحت مشاهد الصحراء استعارة كبرى للصراع والروحانية.
إعادة تركيب الواقع: كما في مسلسل “الاتجار بالمخدرات” (The Wire) الذي أعاد تركيب واقع الجريمة في بالتيمور إلى سيمفونية درامية متعددة الأصوات.
الفصل الخامس: أمثلة حية على رحلة المتخيل
أ/ ـ حالة دراسيةغربية: كريستوفر نولان ـ (هندسة الذاكرة.. العبقرية في تلجيم الفوضى السردية)
البيتش: “رجل فقد ذاكرته القصيرة يحاول العثور على قاتل زوجته”
المتخيل الجامح: سرد القصة بشكل عكسي، دخول عالم فقدان الذاكرة.
تلجيم الخيال: عبر هيكل سردي صارم رغم تعقيده،وإبقاء العاطفة الإنسانية في القلب.
النتيجة: “ميمينتو” – فيلم يتحول فيه الخيال المحض إلى تجربة إنسانية مؤثرة.
ب/ ـ حالة دراسية عربية: (مسلسل الجماعة ـ حالة “الجماعة” لوحيد حامد: كتابة التاريخ بحبر الدراما الإنسانية
كتبه السيناريست (وحيد حامد)والذي تم بثه في رمضان 2010،وأخرج المخرج(محمد ياسين) الجزء الأول منه ،بينما أخرج المخرج (شريف البنداري) الجزء الثاني من المسلسل،الذي عُرض لاحقًا،استطاع تحويل التاريخ السياسي إلى دراما إنسانية،عبر:
تحويل الوقائع التاريخية إلى صراعات شخصية عميقة.
استخدام الخيال لملء الفراغات التاريخية مع الإحترام الكبير للحقيقة.
بناء عالم بصري يعكس الحقبة دون الوقوع في فخ التقديس الأعمى.
ج/ ـ حالة دراسية مغربية:(فيلم الدار الكبيرة ـ للسيناريست والمخرج عبد اللطيف لحلوـ حالة “الدار الكبيرة” لعبد اللطيف لحلو: العمارة كشخصية.. والذاكرة كسيناريو)
عندما تصبح الذاكرة متخيلاً خلاقاً
فيلم “الدار الكبيرة” للمخرج والسيناريست لطيف لحلو ليس مجرد فيلم سينمائي،بل هو رحلة في دهاليز ذاكرة المتخيل الإجتماعي المغربي،حيث تتحول الذاكرة الجماعية إلى فضاء درامي مكثف،فالكاتب والمخرج لطيف لحلو هنا لا يروي قصة فحسب،بل يخلق عالماً متخيلاً له قوانينه البصرية والسردية الخاصة،مع بقائه متجذرا في الواقع المغربي(يُعد فيلم (الدار الكبيرة)نموذجاً للسينما المغربية التي تجمع بين الجمال الفني والذكاء المخيالي المتنوع،والمضمون الاجتماعي العميق،كما نجح الفيلم في تقديم سرد متقن يمزج بين التفاصيل النفسية للشخصيات والرسائل الكبرى التي تهم المجتمع ككل)
زاد الخيال – كيف بنى لطيف لحلو عالمه المتخيل؟
المتخيل المعماري: الدار ككائن درامي.
المتخيل العاطفي:عن طريق الحب والحوار الذي كان في الكثير من الاحيان قويا وحادا من الطرفين(عالم مغربي متخصص في الطاقة وطبية عيون فرنسية تزوجا بفرنسا وانجبا ظفلا هو بمثابة منتوج ثقافي مغربي فرنسي)
الفضاءات المعمارية تحولت إلى حالات نفسية:
السطح: فضاء الحرية والذكريات العاطفية.
الفناء الداخلي: مسرح العلاقات العائلية المعقدة.
الغرف المغلقة: عوالم الأسرار المكبوتة.
خلاصة: سحر البدايات وألم النهايات.
رحلة السيناريست في عوالم المتخيل هي رحلة أبدية بين حرية الخيال وقيود الحرفة، بين شرارة الفكرة الأولى واتساع العالم النهائي،السيناريست الناجح ليس من يملك خيالاً جامحاً فقط،بل سيناريست ذو حيلة و ذكي،وذو دربة،حيث يعرف متى يطلق العنان لمتخيله،ومتى يمسك بزمامه.
في النهاية،الفكرة الأولى ليست سوى البداية،والسيناريو النهائي ليس سوى محطة،الرحلة الحقيقية هي تلك التي تحدث بينهما – في ذلك الفضاء السحري حيث يتحول وجع المتخيل إلى بهجة بصرية،وزاد الحيلة إلى فن خالد.
كما قال الروائي والسيناريست غابرييل غارسيا ماركيز: “ليس الخيال هروباً من الواقع، بل طريقة أجمل لفهمه”وهذه بالضبط مهمة
السيناريست: لا هروب من الواقع،بل اختراق لجوهره عبر بوابة المتخيل.


Comments
0