لا تدخل مسرحية «فهمالوجيا» إلى فضاء العرض بحثا عن حكاية تقليدية تسير من بداية إلى نهاية، ولا تقدم الإنسان باعتباره شخصية مكتملة يمكن القبض عليها بسهولة، ما تضعه أمام المتلقي هو جسد، وحركة، وصمت، وصراع داخلي يبدو أكبر من قدرة اللغة على شرحه، ومنذ المشاهد التي يظهر فيها الممثلون الثلاثة في وضعيات جسدية منحنية، متقاربة، تكاد تخفي ملامحهم، يبدو أن العرض اختار أن يبدأ من منطقة تسبق الكلام: من الجسد وهو يحمل ما لا يستطيع قوله.
هذه البداية تمنح الجسد وظيفة تتجاوز حضوره الطبيعي فوق الخشبة، فالممثل لا يتحرك فقط لكي يجسد شخصية، وإنما يصبح جسده جزءا من بناء المعنى، انحناء الأجساد، تقاربها، ثم ظهورها في وضعية أكثر انتصابا، يجعل المتلقي أمام تحولات لا تحتاج دائما إلى تفسير مباش فالجسد يتكلم قبل الشخصية، ويترك للعين مهمة التقاط ما قد لا تقوله الكلمات.
وتزداد قوة هذه الصورة حين توضع الأجساد أمام فضاء مسرحي يغلب عليه الأحمر والأسود،فلأحمر لا يبدو مجرد خلفية جميلة للصورة، والأسود لا يؤدي وظيفة تزيينية فقط، بل يصنعان ضغطا بصريا واضحا حول الشخصيات، وبينهما تظهر تفاصيل خضراء في لباس الممثلين، فتقطع الانسجام اللوني وتمنح العين نقاطا محددة للتركيز، قيمة هذه الألوان لا تكمن في البحث عن رمز جاهز لكل لون، وإنما في الطريقة التي تجعل بها الجسد أكثر بروزا، والمشهد أكثر توترا، والفراغ المحيط بالممثلين أكثر حضورا.
وهذا الفراغ يستحق التوقف عنده، خصوصا وأن «فهمالوجيا» تعتمد على ثلاثة ممثلين فقط: رضا امزال، زهير الخيراني وبدر أجغالف. العدد القليل يمكن أن يكون نقطة قوة، لكنه في المسرح ليس فضيلة في حد ذاته. ثلاثة أجساد قادرة على ملء الركح إذا كانت الحركة محسوبة، وإذا تغيرت المسافات بينها، واستثمرت مستويات الخشبة وعمقها وأطرافها، وتبدل الإيقاع من لحظة إلى أخرى، أما إذا ظلت الأجساد مجتمعة في بؤرة واحدة دون تحول فعلي في علاقتها بالفضاء، فإن الاقتصاد في عدد الممثلين قد يتحول إلى فراغ لا يخدم العرض.
المشاهد التي تظهر فيها الأجساد الثلاثة متقاربة تكشف هذا الرهان بوضوح، قوة الصورة تأتي من اجتماعها، لكن قيمتها المسرحية تتوقف على ما يحدث بعد ذلك: هل يتغير موقع كل جسد؟ هل تتغير المسافة بين الممثلين؟ هل يصبح الفراغ جزءا من الحدث؟ وهل تستطيع العين أن تنتقل من ممثل إلى آخر دون أن تفقد مركز المشهد؟ تلك أسئلة لا تتعلق بالديكور، وإنما بجوهر الاشتغال الركحي.
وفي صورة أخرى، يظهر الممثلون واقفين، بأجساد عارية من الأعلى، مع السراويل السوداء والحمّالات الخضراء وربطات العنق، بينما تحضر إلى جانبهم هيئة بشرية جامدة تشبه الدمية، الصورة تخلق تناقضا لافتا بين الإنسان الحي والهيئة الساكنة، بين الجسد الذي يتحرك والجسد الذي يبدو منزوعا من الحركة، لكن القيمة الحقيقية لهذا العنصر لا تأتي من غرابته البصرية وحده و السؤال النقدي هو: ماذا يفعل هذا الحضور داخل المشهد؟ هل يدخل في العلاقة الدرامية مع الممثلين؟ هل يتغير مع تطور العرض؟ أم يظل مجرد علامة بصرية قوية تستوقف العين ثم تنتهي وظيفتها؟
وهذا سؤال يمكن توسيعه على بقية اختيارات العرض فالمسرح لا يكسب قوته من كثرة العلامات، وإنما من قدرة كل علامة على الاشتغال داخل البناء العام: الموسيقى، الحركة، الملابس، الفضاء، الإضاءة والعناصر السينوغرافية تصبح أكثر أهمية عندما لا يمكن فصلها عن التجربة التي يعيشها المتلقي أما إذا أمكن حذف أحدها دون أن يتغير شيء جوهري في الإحساس بالمشهد، فإن وجودها يصبح قابلا للمراجعة.
من الصعب أيضا التعامل مع موضوعات مثل الهوية والوعي والواقع والصورة الداخلية للإنسان باعتبارها اكتشافا موضوعاتيا في حد ذاته، هذه الأسئلة رافقت المسرح والفكر والفنون منذ زمن طويل و ما يمنح العمل قيمته ليس السؤال الذي اختاره، بل الطريقة التي استطاع بها تحويله من فكرة إلى فعل مسرحي محسوس، هل شعر المتلقي بالقلق الذي يعيشه الجسد؟ هل انتقلت الأسئلة من مستوى التفكير إلى مستوى الفرجة؟ هل بقيت الفكرة داخل النص، أم تحولت إلى حركة وصورة وإيقاع؟
«فهمالوجيا» تبدو أكثر إثارة للاهتمام عندما تتخلى عن محاولة تقديم الإنسان في صورة مفهومة ونهائية، عنوانها نفسه يوحي بمحاولة للفهم، لكن ما يخرج به المتلقي ليس بالضرورة جوابا عن الإنسان، وإنما إحساس بأن هذا الإنسان أكثر تعقيدا من أن يختصر في تعريف واحد وهذه المفارقة هي من أجمل ما يمكن أن ينتجه عرض يحمل مثل هذا العنوان: أن يبدأ بوعد الفهم، وينتهي بفتح مساحة أكبر للشك والتأمل.
ويبقى أداء الممثلين الثلاثة من أكثر العناصر التي تتحمل عبء العرض. فحين يقل عدد الممثلين، تصبح كل حركة مرئية، وكل صمت قابلا للملاحظة، وكل تردد في الإيقاع أكثر انكشافا، لا توجد كثرة من الشخصيات يمكن أن تخفف الضغط عن المؤدي لذلك فإن نجاح هذا الاختيار يرتبط بقدرة الممثل على الحضور حتى في لحظة السكون، وعلى تحويل الجسد إلى أداة تعبير لا تحتاج دائما إلى الكلام وهذا ما يجعل تجربة «فهمالوجيا» أقرب إلى اختبار مستمر للعلاقة بين الإنسان وجسده، وبين الإنسان وصورته، وبين ما يريد أن يكونه وما يجد نفسه عليه، لكنها في الوقت نفسه مطالبة بألا تجعل من الرمز غاية في ذاته فكلما كثرت الإشارات البصرية، يصبح على العرض أن يكون أكثر دقة في التحكم فيها، حتى لا تتحول كثافة العلامات إلى عبء على المعنى.
أما المجدوب، الذي جمع بين الكتابة والإخراج، فقد منح العرض وحدة واضحة في الرؤية، وهو أمر يمكن أن يكون مكسبا حين تتطابق الفكرة مع طريقة تنفيذها فوق الخشبة لكنه في المقابل يضع صاحب التجربة أمام اختبار أصعب: أن يرى العمل بعين المتلقي لا بعين صاحبه فقط، فالفكرة التي تبدو مكتملة في ذهن الكاتب قد تحتاج إلى شيء آخر حين تنتقل إلى الركح، لأن الجمهور لا يدخل إلى عقل المخرج، وإنما يدخل إلى عالم صنعته الأجساد والصور والإيقاعات.
ولا تقف السينوغرافيا في «فهمالوجيا» عند تشكيل الفضاء، فالإضاءة نفسها تدخل في تنظيم علاقة المتلقي بالركح، الإضاءة المتقاطعة حول مستطيل اللعب ترسم حدودا بصرية واضحة لمجال الفعل، وكأن الحركة لا تجري فوق خشبة مفتوحة بلا حدود، وإنما داخل مساحة محددة يصبح كل خروج منها أو اقتراب من حوافها قابلا للقراءة، هذا التحديد يمنح مستطيل اللعب حضورا مستقلا، ويجعل الضوء شريكا في ضبط العين ومسار الانتباه، لا مجرد وسيلة لإنارة الممثلين.
وإلى جانب الضوء، يختار العرض العزف المباشر على الكيتار، وهو اختيار يمنح الموسيقى حضورا محسوسا داخل الفرجة فالموسيقى هنا لا تأتي من مصدر غائب عن عين المتلقي، وإنما تولد أمامه، بما يجعل الصوت جزءا من اللحظة المسرحية نفسها، العزف الحي يضيف علاقة مختلفة بين الإيقاع والحركة، ويجعل الموسيقى قابلة للتفاعل مع نفس العرض بدل أن تكون مجرد خلفية جاهزة ترافق المشاهد، وهذه نقطة تحسب للتجربة، خصوصا حين تنجح الموسيقى في بناء الإحساس بالمشهد دون أن تنافس الممثل على مركزه.
لهذا لا ينبغي أن يكون تتويج «فهمالوجيا» بالجائزة الكبرى في الدورة الثالثة من مهرجان الخلخال الوطني للمسرح والركح نهاية للنقاش حولها، بل بداية له فالجائزة تقول إن العرض استطاع أن يفرض حضوره داخل المنافسة، لكنها لا تمنحه حصانة من النقد. والمسرح الذي يستحق التوقف عنده ليس المسرح الذي يخرج منه المتلقي مصفقا فقط، وإنما ذلك الذي يترك في ذهنه شيئا يستمر بعد إسدال الستار.
«فهمالوجيا» لا تقدم الإنسان كإجابة جاهزة، وهذه نقطة قوتها الأساسية قوتها أيضا في الرهان على الجسد، وفي الاقتصاد في عدد الممثلين، وفي بناء صور ركحية تترك العين أمام أسئلة لا تنتهي عند حدود الكلام، أما التحدي الأكبر فيكمن في أن تظل هذه الصور جزءا من ضرورة درامية، لا مجرد مشاهد لافتة، وأن يتحول كل عنصر فوق الخشبة إلى جزء من التجربة لا إلى إضافة إليها.
في النهاية، لا يبدو أن «فهمالوجيا» تريد أن تقول للمتلقي: هذا هو الإنسان بل تدفعه، بصورة أكثر إرباكا، إلى التساؤل: أي إنسان نتحدث عنه أصلا؟ الإنسان الذي نراه، أم الذي يخفيه جسده؟ الإنسان الذي يقدمه للآخرين، أم الذي يعيشه في داخله؟ وبين هذه الصور المتعددة، يبقى الركح مفتوحا، ويبقى الإنسان، كما أراد له العرض، سؤالا لم يجد بعد صيغة نهائية للإجابة عنه.


Comments
0