لم يعد غلاء المعيشة في المغرب مجرد أرقام تُسجَّل في تقارير اقتصادية، بل أصبح واقعاً يومياً يضغط على الأسرة ويستنزف مداخيلها ويؤجل أحلام الشباب ويهدد في بعض الحالات الاستقرار الأسري.
إن البيت المغربي، أصبح راتبه ينتهي قبل نهاية متطلباته شهرية بينما تستمر الفواتير و مصاريف الغذاء، السكن، النقل، التعليم، الكتب واللوازم المدرسية، ثم التطبيب… كلها نفقات ارتفعت كلفتها في وقت لا تعرف فيه مداخيل عدد من الأسر الوتيرة نفسها من الارتفاع مما جعل الطبقة المتوسطة، التي كانت تشكل لسنوات مساحة أمان بين الفقر والثراء بدورها أصبحت أكثر هشاشة فمدخراتها تآكلت وقروض استهلاكية تراكمت والاستدانة أصبحت بالنسبة إلى بعض الأسر وسيلة لتغطية الضروريات وليس الكماليات.
إذا كان الغلاء يضغط على الأسرة التي لديها دخل فإن البطالة تضرب أساس الاستقرار من جذوره لأن الشاب الذي يقضي سنوات في الدراسة ثم يجد نفسه أمام سوق شغل محدود، لا يعيش أزمة شخصية فقط بل يبقى عبئه المالي على أسرته وتتأجل معه مشاريع الزواج والاستقلال والسكن وهنا تتحول البطالة من مشكلة اقتصادية إلى مشكلة اجتماعية ونفسية، خصوصاً عندما يترافق غياب العمل مع الإحساس بانسداد الأفق وتزداد الضائقة المالية لتكون السبب الوحيد للخلافات الأسرية، لكنها تستطيع أن تزيد حدتها مع مصاريف الأبناء، الديون، السكن، العلاج، وتدبير ميزانية محدودة، كلها عوامل يمكن أن ترفع مستوى التوتر داخل البيت، وقد تتراكم الخلافات إلى درجة تهدد العلاقة الزوجية كما أن الحديث عن ارتفاع حالات الطلاق، وخاصة طلاق الشقاق، يجب ألا يختزل في العامل الاقتصادي وحده، لكنه يطرح سؤالاً جدياً حول تأثير الضغط المادي والبطالة وتكاليف الحياة على تماسك الأسرة الدي اصيب بدوره بالهشاشة ومع قلت فرص العمل والاستقرار، يبحث البعض عن مستقبل خارج الحدود و بالنسبة إلى فئة من الشباب، لم تعد الهجرة مجرد رغبة في تحسين الدخل، وإنما أصبحت بحثاً عن فرصة لبناء حياة مستقرة لكن الأخطر هو أن يتحول فقدان الأمل إلى مغامرة بالحياة، عبر الهجرة غير النظامية وركوب البحر وهنا يبرز السؤال:
ما الذي يدفع شاباً إلى المخاطرة بحياته؟
لكن الغريب في الأمر مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية تعود الوعود المتعلقة بتحسين الأجور إلى الواجهة، ومن بينها الحديث عن رفع الحد الأدنى للأجر إلى 5000 درهم لكن المواطن لا يحتاج فقط إلى رقم جذاب في الحملات الانتخابية، بل يريد جواباً عن أسئلة أكثر واقعية :
هل توجد فرص شغل كافية بهذا المستوى من الأجر؟
وهل تستطيع المقاولات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، تحمل الزيادة؟
وهل سيبقى لهذا الأجر أثر حقيقي إذا استمرت كلفة السكن والغذاء والنقل والتعليم والتطبيب في الارتفاع؟
إن رفع الأجور مهم، لكنه لن يكون حلاً كاملاً إذا لم يرافقه خلق فرص شغل حقيقية، وضبط الأسواق، وحماية القدرة الشرائية فالمواطن اليوم يريد أن يشعر بالتحسن في المعيشة اليومية لا أن يعيش داخل المؤشرات الاقتصادية، بل داخل متجر الحي، ووسيلة النقل، والمدرسة، والمستشفى، وسوق الخضر، و فاتورة الكراء والكهرباء. لذلك فإن نجاح أي سياسة اقتصادية لا يقاس فقط بالأرقام، وإنما بالسؤال البسيط: هل أصبحت حياة المواطن وأسَرِته أكثر استقراراً؟ فحين يصبح الراتب عاجزاً عن تغطية الضروريات، وحين يؤجل الشباب الزواج بسبب البطالة، وحين تدفع الديون بعض الأسر إلى حافة الانهيار، فإن القضية لم تعد مجرد تضخم.إنها قضية استقرار أسري، وأمن اجتماعي، وثقة في المستقبل والتحدي الحقيقي أمام الحكومة والأحزاب ليس تقديم المزيد من الوعود، بل تقديم أجوبة قابلة للتحقق يشعر بها المواطن داخل بيته وجيبه، لا على الورق فقط.


Comments
0