رغم موجات البرد القارس والتساقطات الثلجية الكثيفة التي تعرفها المناطق الجبلية بإقليم بني ملال، تواصل القوافل الطبية متعددة التخصصات شق طريقها نحو الساكنة القروية المعزولة، في تجربة ميدانية تعكس إصرارًا جماعيًا على ضمان الحق في الصحة مهما كانت قساوة الظروف المناخية وصعوبة المسالك. وقد بلغت هذه القوافل، بعد سلسلة من المحطات التي سبق توثيقها، مرحلة مفصلية مع الوصول إلى منتصف مسارها، مؤكدة أن الاستمرارية أصبحت عنوانًا بارزًا لهذا البرنامج الصحي الميداني.

وقد شكّلت القافلة الطبية التي حلّت يوم أمس بإحدى دواوير جماعة بوتفردة المحطة الثامنة ضمن هذا البرنامج، في وقت تزامنت فيه مع تحديات ميدانية حقيقية، كان من أبرزها اضطرار المنظمين إلى إلغاء قافلة مبرمجة ليوم السبت الماضي بسبب انقطاع الطريق وصعوبة الوصول في ظل التساقطات الثلجية الكثيفة، وهو قرار احترازي حفاظًا على سلامة الأطقم الطبية والمستفيدين، مع إعادة برمجة هذه المحطة فور تحسن الظروف.
وإلى حدود هذه المرحلة الوسطى، مكّنت القوافل الطبية من تقديم خدمات صحية متكاملة لما يقارب 4600 مستفيد من ساكنة جماعات أغبالة، ناوور، بوتفردة وتيزي نسلي. وشملت الخدمات فحوصات الطب العام، وطب وجراحة الأسنان، وتشخيص داء السكري وارتفاع الضغط الدموي، إلى جانب الكشف عن سرطان الثدي وعنق الرحم وتشخيص الروماتيزم الحاد لدى الأطفال. وقد استفاد نحو 1700 شخص من خدمات الطب العام، من بينهم الأطفال والنساء، فيما سجل طب الأسنان 508 فحوصات مع توزيع مستلزمات نظافة الفم والأسنان للأطفال. كما تم تشخيص 138 حالة مرتبطة بالسرطانات، منها حالات اشتباه في سرطان عنق الرحم وسرطان الثدي، وتم توجيه هذه الحالات إلى المركز المرجعي لتشخيص سرطان الثدي وعنق الرحم ببني ملال – الرميلة للتأكيد والمتابعة الطبية المتخصصة. كما شملت الفحوصات مئات الحالات المرتبطة بارتفاع الضغط الدموي وداء السكري، إلى جانب حالات الروماتيزم الحاد لدى الأطفال، مع الحرص على توزيع الأدوية بالمجان لكل المستفيدين.

ولم تكن هذه الحصيلة لتتحقق لولا تعبئة واسعة وانخراط مختلف المتدخلين، رغم صعوبات التنقل وانقطاع بعض المسالك الطرقية بسبب الثلوج. وقد مكّن تدخل السلطات المحلية ووزارة التجهيز من فتح الطرق وتيسير وصول القوافل إلى المناطق المستهدفة، في مشهد يعكس روح التضامن والتكامل بين مختلف الفاعلين.
وعبر الدكتور محمد بوحمية، رئيس الجمعية الجهوية لدعم الصحة بني ملال–خنيفرة، عن شكره لكل من السيد الوالي بصفته رئيس المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ورئيس اللجنة الإقليمية للتنمية البشرية، والمندوب الإقليمي للصحة والحماية الاجتماعية، ورئيس المجلس الإقليمي، مثمنًا الدعم المؤسساتي والتنسيق الميداني، وموجها شكره للسلطات المحلية بجماعات أغبالة، بوتفردة، تيزي نسلي وناوور، ولدور وزارة التجهيز، كما ثمن جهود الأطقم الطبية وشبه الطبية والمتطوعين في فك العزلة الصحية عن الساكنة الجبلية.

ويؤكد هذا البرنامج، في مرحلته الوسطى، أن العمل الجمعوي الجاد، حين يقترن بالدعم المؤسساتي والتنسيق القطاعي، قادر على بلوغ المناطق الأكثر هشاشة وتحقيق أثر صحي وإنساني ملموس. كما يبرز الدور الريادي للجمعية الجهوية لدعم الصحة بني ملال–خنيفرة كفاعل جمعوي متخصص، يشتغل بروح التطوع والمسؤولية، ويساهم بفعالية في تنزيل السياسات العمومية الصحية على المستوى الترابي.
وتندرج هذه القوافل الطبية ضمن شراكة مؤسساتية متينة تجمع بين الجمعية الجهوية لدعم الصحة، والمندوبية الإقليمية للصحة والحماية الاجتماعية، واللجنة الإقليمية للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي اضطلعت بدور محوري في دعم ومواكبة هذا البرنامج، خاصة في ظل موجة البرد القارس، ويعكس هذا الانخراط إرادة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ببني ملال في التخفيف من الآثار الصحية والاجتماعية للظروف المناخية الصعبة، من خلال دعم مبادرات المجتمع المدني وتعزيز العمل التشاركي الهادف إلى حماية الفئات الهشة وتقريب الخدمات الصحية من الساكنة القروية والجبلية، وذلك انسجامًا مع التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.
وفي ظل تعدد أبعاد هذه الشراكة وأهميتها الاستراتيجية، يبقى من الصعب الإحاطة بدور المبادرة الوطنية للتنمية البشرية في بضع فقرات، وهو ما يفرض تخصيص معالجة إعلامية مستقلة لتسليط الضوء على مساهمتها في مواكبة مسار الجمعيات ودعم مشاريعها الصحية، وكذا دورها في التخفيف من آثار موجة البرد على المناطق الجبلية، بما يعكس التكامل القائم بين الدعم المؤسساتي والفعل الجمعوي في تنزيل السياسات العمومية الصحية على المستوى الترابي وتحقيق أثر صحي وإنساني ملموس.


Comments
0