اللهم بارك (05)
بينما تنبض المملكة المغربية هذه الأيام بنبض منافسات كأس إفريقيا 2025، تلك اللحظة الساحرة من الفرح الجماعي والموعد الرياضي الخالد، ينفجر في الجهة المقابلة بركان سحق الذات و الانتقاد الهدام الشرس لأداء المنتخب الوطني! ظاهرة سامة، غير رياضية تماما، تستحق دراسة عميقة لاقتلاع جذورها.
المتطفلون خلف شاشات هواتفهم ، يقومون بهجوم وحشي، ينهال على الأسود و الجهاز الفني و حتى الطبي احيانا، لهم عقلية متعجلة مجنونة تندفع نحو سحق الذات بجنون، و ترفض ثقافة الدعم الحقيقي للمنتخب الوطني. هذه الظاهرة تحتاج توازنا نفسيا حاسما يحكم تعبيرنا عن الرأي من أيدي المختصين فقط ، بعيدا عن التهجم العشوائي الذي يحطم الجبال! فمهما دارت الأحداث، يتوق الفريق إلى جمهوره كلاعب رقم 12 في قمة الاستعداد، غير متأثر بتفاصيل جانبية، و أن يظل آخر من يغادر الملعب مزروعا بالأمل و الحماس الناري.
إذا كانت الهفوات جزءا من سحر كرة القدم فلا يجب ان ننسى أنها مجرد لعبة رياضية ممتعة لا “علم دقيق” فإن استغلالها للنيل من اللاعبين جريمة تخنق المنتخب الوطني و تطعن الثقة في آدائهم في المقابلات الاتية ! و مهما زينا إياها بحبنا الجارف، فإننا نساهم في كارثة الخسارة و عدم إدراك لحظة تتطلب التجمع الصلب، لا إشاعة التفرقة و لعب دور المدرب المتعجرف. إن تحول الجميع في لمح البصر إلى مدربين يفتون في التشكيلة، أمر مخجل .
إقبال الشعب المغربي بكل شرائحه على متابعة مباريات الأسود يفجر درسا سياسيا مدويا عن سر عزوفنا عن السياسة ، فعندما يكون المشهد السياسي «مقصوصا» مسبقا كمسرحية مملة، يذوب الحماس لأن النتيجة بالخسارة معلنة و يموت التشويق، عكس ساحات الكرة حيث يشتعل الجهد و العبقرية و الصبر كمفتاح النصر ، هناك ينفجر المغاربة بحريتهم في التعبير ,تلك الحرية الممنوعة سياسيا , و يندفعون برغبة جامحة ،أما هؤلاء “الخبراء” المزيفين الذين يتحولون إلى محللين و مدربين، فالأغلبية منهم لم يسبق لها ان لبست “شورطا” رياضيا طوال حياتها , أو تصببت عرقا من جهد رياضي إلاّ في “الحمام ” الشعبي ، اثناء تسخين جلودها قصد تنظيفها من الأوساخ ، لكنهم يحللون و يقترحون بل ويسبون و يعطون حلولا و حتى احكاما على الأسود أحكاما كأنهم خبراء عالميون في كرة القدم …
يا للعار على هذا الهراء! و الذين يدعون عدم رغبتنا في المشاركة السياسية يكتشفون أننا نتوق لها بشرط «عرض» مثير، لا «ماتش» مبرمج نهايته قبل انطلاق الحكم.
و لعل سر هذه الشعبية الجارفة يكمن في أن أبطالنا وصلوا قمم المجد بعرق جباههم، لا على أكتاف الآخرين كبعض السياسيين .
وحده الملعب يكشف الأداء الحقيقي أمام عيون الجماهير الحادة، بينما السياسة تسمح بالاختباء خلف بريق زائف. المواطن يصوت كل خمس سنوات، لكن لاعبي الكرة يواجهون استفتاء شعبيا يوميا ملتهبا.
أعظم إنجاز للمنتخب أنه أيقظ نار حب الانتماء، رفع معنوياتنا إلى السماء، وأصلحنا مع رموز بلدنا,كثير مما تعجز عنه السياسة تحله الكرة ببراعة , عبر منتخب و كرة و ملعب و نشيد و راية واحدة.
و سواء في المغرب أو العالم، تظل كرة القدم الرياضة الساحرة التي تسحر الشعوب، تنبض بطموحات الجماهير نحو النصر، وتجسد المنازلة الشرسة و الشجاعة الأسطورية و الفخر المتأجج ، و الدول تنفق ميزانيات خيالية ليس لكأس أو بطولة فحسب، بل لتعزيز الشعور الوطني و الانتماء، بغية رفع المنتصرين رايات بلدانهم في عرين الخصوم و الوقوف في خشوع و احترام عميقين أثناء عزف النشيد الوطني إذن؟
اللهم بارك
فريد حفيض الدين


Comments
0