مشروع تنظيم المجلس الوطني للصحافة يفاقم التوتر بين الحكومة والهيئات المهنية: قراءة في بيان الرفض والتصعيد - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

مشروع تنظيم المجلس الوطني للصحافة يفاقم التوتر بين الحكومة والهيئات المهنية: قراءة في بيان الرفض والتصعيد

WhatsApp-Image-2025-10-22-a-18.14.41_21517430

في سياق النقاش المتواصل حول مشروع القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، أصدرت مجموعة من الهيئات النقابية والمهنية لقطاع الصحافة والنشر بياناً شديد اللهجة عقب مصادقة لجنة التعليم والشؤون الثقافية والاجتماعية بمجلس المستشارين على المشروع دون إدخال أي تعديل عليه. ويأتي هذا البيان ليعكس مستوى التوتر القائم بين الحكومة من جهة، ومكونات واسعة من الجسم الصحافي والنقابي من جهة أخرى، حول طبيعة الإصلاح وحدوده ومآلاته.

البيان، الصادر بالدار البيضاء بتاريخ 23 دجنبر 2025، عبّر عن رفض واضح للطريقة التي دُبّر بها النقاش التشريعي داخل مجلس المستشارين، خاصة ما اعتبرته الهيئات الموقعة تصويتاً منسجماً للأغلبية الحكومية ضد جميع التعديلات التي تقدمت بها فرق ومجموعات المعارضة. ومن خلال لهجته ومضامينه، لا يكتفي البلاغ بتسجيل موقف مهني، بل يضع المشروع في إطار سياسي وحقوقي أوسع، يربطه بمسألة دولة القانون، ووظيفة البرلمان، ومكانة التنظيم الذاتي لمهنة الصحافة.

من زاوية القراءة المحايدة، يعكس البيان أولاً حجم الهوة بين تصور الحكومة للإصلاح، القائم على الحفاظ على الصيغة التي صادق عليها مجلس النواب، وبين تصور الهيئات النقابية والمهنية التي ترى في المشروع نصاً يعاني اختلالات بنيوية، سواء على مستوى الشكل أو المضمون. فالهيئات تعتبر أن رفض أي تعديل يُفرغ النقاش البرلماني من محتواه، ويحوّل المؤسسة التشريعية إلى فضاء للمصادقة أكثر منه فضاءً للتداول والتجويد، بينما ترى الحكومة، في المقابل، أن الصيغة المقترحة متوازنة وتضمن النجاعة والاستمرارية.

كما يبرز البيان مسألة مركزية تتعلق بمفهوم التنظيم الذاتي للصحافة. فالهيئات الموقعة تنطلق من تصور يعتبر أن جوهر هذا التنظيم يقوم على الانتخاب، والاستقلالية، والتعددية، والعدالة التمثيلية بين الصحافيين والناشرين. ومن هذا المنطلق، فإن أي تعديل في هندسة المجلس الوطني للصحافة يُنظر إليه، من طرفها، باعتباره مساساً مباشراً بهذه المبادئ. في المقابل، يظل النقاش مفتوحاً حول ما إذا كانت الصيغة المعتمدة فعلاً تُقوض هذه الأسس، أم أنها تعيد ترتيبها وفق مقاربة مختلفة للتمثيلية والحكامة.

البيان يلفت الانتباه أيضاً إلى استحضار الهيئات لرأي مؤسستين دستوريتين، هما المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الوطني لحقوق الإنسان، واعتبار تجاهل توصياتهما مؤشراً على ضعف التشاور المؤسساتي. هذا المعطى يعكس توجهاً لدى الفاعلين النقابيين لربط معركتهم المهنية بسند دستوري وحقوقي، بما يضفي على موقفهم بعداً يتجاوز الخلاف القطاعي الضيق.

وفي مستوى آخر، يكشف البلاغ عن انتقال محتمل من مرحلة الاحتجاج الخطابي إلى مرحلة الفعل الميداني والترافع الدولي، من خلال الإعلان عن برنامج احتجاجي تصاعدي وفتح أفق الترافع أمام المؤسسات الدولية والقارية. هذا التطور يعكس قناعة لدى الهيئات الموقعة بأن مسار التشريع بلغ مرحلة يصعب التأثير فيها من داخل المؤسسات الوطنية فقط، ما يستدعي، من وجهة نظرها، توسيع دوائر الضغط.

غير أن هذا التصعيد، رغم مشروعيته النقابية، يطرح بدوره تساؤلات حول مآلات الصراع وانعكاساته على صورة القطاع واستقراره، خاصة في سياق وطني وإقليمي يتسم بحساسية قضايا حرية التعبير والسيادة الإعلامية. كما يطرح سؤالاً حول قدرة الأطراف المختلفة على العودة إلى منطق الحوار، وتفادي منطق القطيعة الذي قد يُفضي إلى استقطاب حاد داخل الجسم الصحافي نفسه.

في المحصلة، لا يمكن قراءة هذا البيان فقط باعتباره رد فعل ظرفي على مسطرة تشريعية، بل هو تعبير عن أزمة ثقة أعمق بين الفاعلين المهنيين والسلطة الوصية، وعن اختلاف جوهري في فهم دور الدولة وحدود تدخلها في تنظيم مهنة الصحافة. وبين منطق الضبط المؤسساتي الذي تدافع عنه الحكومة، ومنطق الاستقلالية والتمثيلية الذي تتشبث به الهيئات النقابية، يظل مستقبل المجلس الوطني للصحافة رهيناً بمدى القدرة على إيجاد صيغة توافقية تحصن المهنة، وتحفظ التوازن بين الحرية والمسؤولية، دون إقصاء أو هيمنة.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث