تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي تعليقاً لافتاً نُشر على موقع “CNN”، يلخص بجرأة وتكثيف شديدين معضلة يعيشها العقل الجمعي لقطاع واسع من المهاجرين في المجتمعات الغربية. يكمن جوهر هذا التعليق في رصد مفارقة وجودية وسلوكية: المسلمون الذين يغادرون أوطانهم بحثاً عن الحرية والعدالة والكرامة في بلدان غير إسلامية كأستراليا، السويد، كندا، والدنمارك، يجدون هناك الاستقرار والسعادة المادية والحقوقية التي افتقدوها في بلدانهم الأصلية؛ لكنهم، بدلاً من مراجعة البنى الفكرية والدينية التي أنتجت الاستبداد والتخلف في مواطنهم الأولى، يوجهون لومهم للأنظمة الغربية التي احتضنتهم، بل ويسعى بعضهم إلى تحويل هذه المجتمعات المفتوحة إلى نسخ مشوهة من البيئات المأزومة التي فروا منها.

هذه الملاحظة الذكية تفتح الباب على مصراعيه لتحليل تفصيلي لظاهرة “انفصام الشخصية الثقافية” وصعوبة الإدماج، وهي تمظهرات تتضح بجلاء عند تأمل المسار التاريخي لبعض الجاليات المسلمة، ولا سيما الجالية المغربية في فرنسا كمثال حي وشديد الدلالة.من الانفتاح إلى الانغلاق: قصة الجيلين الأول والثاني.
عند مراجعة تاريخ الهجرة المغربية إلى فرنسا، نجد أن الجيل الأول الذي التحق بمراكز التصنيع والبناء في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كان يحمل ثقافة شعبية منفتحة، إسلاماً تقليدياً سمته البساطة والتسامح والتعايش، مدفوعاً برغبة محددة: العمل وتحسين العيش. ومع إطلاق برنامج “التجمع العائلي” (Regroupement familial) في السبعينيات، التحقت الأسر بآبائها، وبدأت ملامح الاستقرار الدائم تتشكل.ومع ذلك، واجهت هذه العائلات تحديات هيكلية في الإدماج؛ حيث عُزلت في ضواحي المدن الكبرى (Les Banlieues) ضمن مجمعات سكنية مغلقة. أمام هذا التهميش الاجتماعي والاقتصادي، وصدمة الاصطدام بمجتمع علماني حديث، تخلت فئات واسعة عن ذلك التدين الشعبي المرن. وفي فضاءات الهامش المشترك، حدث اختلاط ثقافي وديني وثيق مع مهاجرين مسلمين من جنوب آسيا والشرق الأوسط، يتبنون قراءات أكثر راديكالية وتشدداً للنص الديني.هنا ولدت المفارقة العجيبة: تحول الآباء الذين قدموا بوعي منفتح متسامح يسمح للجنسين بالاختلاط في المناسبات و الأفراح، تدين منفتح وفق المذهب المالكي، إلى حراس لثقافة متزمتة ومنغلقة، واعتبروا التشدد وسيلة دفاعية لحماية هويتهم من الذوبان.

مفارقة الآباء المتشددين والأبناء الثائرين
أنتج هذا التحول بيئة مشحونة بالتناقضات داخل الأسرة المهاجرة نفسها. فالجيل الثاني والثالث، الذي نشأ في أحضان هذه المنظومة الانغلاقية، وجد نفسه يواجه انفصاماً مزدوجاً:
آباء متشددون: يمارسون وصاية فكرية صارمة مستوردة من أدبيات غريبة عن بيئتهم المغربية الأصلية.
أبناء ثائرون: يبدون رفضاً قاطعاً ونبذاً تاماً لما آل إليه آباؤهم. هذا الرفض لم يكن دائماً اندماجاً عاقلاً، بل اتخذ أحياناً شكل ثورة هوياتية حادة، ترفض انغلاق الآباء وتتمرد على تهميش المجتمع الحاضن، مما يدخلهم في حلقة مفرغة من التيه الوجودي.
أسئلة التغيير وتفكيك الانفصامإن ما ورد في تعليق “CNN” يضعنا أمام الحقيقة العارية لهذا الانفصام؛ فهو يثبت عجز العقلية المتزمتة عن الإجابة على السؤال الجوهري: مَن الذي يجب عليه التغيير؟
هل هي الأنظمة الثيوقراطية أو الشمولية في البلدان الأصلية التي هربوا من بؤسها وتضييقها؟
أم هي الدول الديمقراطية الحديثة التي آوتهم، ووفرت لهم فضاءات الحرية والكرامة والرفاه؟
إن السعي إلى تغيير مجتمعات الملجأ ومحاربة قيمها العلمانية والليبرالية، بالتوازي مع الاستمتاع بمزاياها القانونية والاقتصادية، يمثل ذروة الفصام النكِد.
إنه عجز بنيوي عن فهم أن “الرفاه والسعادة والعدالة” في الدول الغربية ليست هبات مجانية، بل هي نتاج حتمي لثقافة المراجعة، الفلسفة العقلانية، سيادة القانون، وحرية المعتقد والتفكير.
تحميل الأنظمة المفتوحة مسؤولية “الأزمات الروحية أو الثقافية” للمهاجر، وتبرئة الذات والقيادات الدينية التقليدية، لن يؤدي إلا إلى تعميق العزلة وتغذية تيارات اليمين المتطرف التي تجد في هذا الانفصام دليلاً على “استحالة التعايش”. إن الاندماج الحقيقي لا يعني ذوبان الهوية، بل يعني التصالح مع قيم العصر، والاعتراف بأن الحرية التي يلوذ بها الإنسان تفرض عليه أولاً احترام الفضاء الذي منحه إياها.


Comments
0