مقال: من يدفع فاتورة الغلاء؟قراءة في جيب المواطن  - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

مقال: من يدفع فاتورة الغلاء؟قراءة في جيب المواطن 

وردي أزرق و أبيض مرح فتيات الكشافة غلاف دفتر ملاحظات رقمي (عمودي)

في بداية كل شهر، تتكرر نفس الحكاية: راتب يدخل الحساب البنكي ويخرج منه قبل أن يجف حبره. بين فاتورة الكهرباء وسعر الخبز وثمن قنينة الزيت، يقف المواطن عاجزاً أمام سؤال بسيط ومعقد: من يدفع فاتورة الغلاء؟ الجواب السطحي يقول “الجميع”، لكن قراءة متأنية في جيب المواطن تكشف أن الفاتورة لا توزع بعدل.

عندما ترتفع أسعار المحروقات عالمياً، لا تنتظر شركات الاستيراد ولا شبكات التوزيع. الزيادة تنزل مباشرة إلى محطة البنزين، ومنها إلى الطماطم في السوق، ثم إلى تذكرة الحافلة. الحلقة الأضعف في السلسلة الاقتصادية هي دائماً جيب المواطن البسيط. هو من يمتص الصدمة الأولى، ويتكفل بتحويل التضخم من رقم في نشرة الأخبار إلى واقع على مائدة العشاء.

الموظف الذي لم يتغير راتبه منذ سنوات صار يشتري براتبه نصف ما كان يشتريه قبل خمس سنوات. الأجير اليومي صار يشتغل يومين ليشتري ما كان يشتريه في يوم واحد. أما المتقاعد فقصته أكثر قسوة، لأن معاشه الثابت يواجه أسعاراً متحركة لا تعرف الرحمة.

يقال لنا إن السوق حر، والعرض والطلب هما من يحددان السعر. لكن عندما تنخفض الأسعار عالمياً، يظل السعر عندنا ثابتاً بحجة “المخزون القديم”. وعندما ترتفع عالمياً، ترتفع عندنا قبل أن تصل الباخرة إلى الميناء. هذه الانتقائية في تطبيق قواعد السوق تجعل المواطن يتساءل: هل السوق حر فعلاً، أم أنه حر في اتجاه واحد فقط؟

الهوامش الربحية لبعض الوسطاء والشركات تتضخم مع كل موجة غلاء، بينما تتآكل القدرة الشرائية للمواطن. النتيجة: الفقير يدفع أكثر، والغني يربح أكثر. الفاتورة هنا لا يدفعها الجميع، بل يدفعها من لا يملك خياراً سوى أن يدفع.

فاتورة الغلاء ليست مادية فقط. هناك كلفة نفسية واجتماعية يدفعها المواطن يومياً. رب الأسرة الذي يقف أمام ابنه عاجزاً عن شراء دفتر مدرسي. الأم التي تستبدل اللحم بالعدس للمرة الرابعة في الأسبوع. الشاب الذي يؤجل الزواج لأن “المصروف ما بقى كافي”. هذه كلف لا تظهر في مؤشرات المندوبية السامية للتخطيط، لكنها تظهر في تجاعيد الوجوه وفي توتر البيوت.

ان الغلاء يسرق من المواطن أكثر من ماله. يسرق طمأنينته، ووقته وهو يبحث عن الأرخص، وكرامته وهو يفاوض البقال على درهم،و

لا يمكن اختزال الغلاء في “الظرفية العالمية” وحدها. صحيح أن الحرب والتغير المناخي وسلاسل التوريد تلعب دوراً، لكن غياب الرقابة الصارمة على الأسعار، وضعف حماية المستهلك، وتضارب المصالح بين من يشرع ومن يتاجر، كلها عوامل محلية تضاعف الفاتورة.

عندما يغيب الدعم الموجه الحقيقي، وعندما تتحول برامج الحماية الاجتماعية إلى إجراءات بطيئة ومعقدة، يبقى المواطن وحده في مواجهة السوق. يدفع من جيبه، ومن صحته، ومن مستقبل أب

عموما يمكننا القول ان فاتورة الغلاء يدفعها المواطن العادي مرتين: مرة حين يشتري، ومرة حين يصمت. يدفعها من راتبه، من مدخراته الهزيلة، ومن أحلامه المؤجلة. قراءة في جيبه لا تحتاج إلى خبير اقتصادي، يكفي أن تفتحه آخر الشهر لتجد الجواب.

و الحل لا يكون بالوعود الموسمية ولا بتبرير الغلاء بالعوامل الخارجية فقط.بل  بالاعتراف أن هناك خللاً في توزيع الأعباء، وأن من يملك أقل هو من يدفع أكثر. حينها فقط يمكن أن نناقش بجدية: كيف نجعل الفاتورة عادلة؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث