يأتي خروج عمال مناجم “عوام السينيال” صباح اليوم في مسيرة احتجاجية نحو عمالة إقليم خنيفرة في سياق احتقان متصاعد أعقب الفاجعة التي أودت بحياة ثلاثة عمال بمنجم “البير الجديد” التابع لشركة مناجم تويسيت، وهي الفاجعة التي أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة وجديدة حول شروط السلامة المهنية، وطبيعة تدبير المناولة، ومدى حماية العمال داخل فضاءات العمل المنجمي.
العمال، المنضوون تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، قطعوا مسافة تقارب ستة كيلومترات في اتجاه مريرت، قبل أن تتدخل السلطات المحلية، بحضور مسؤولي الشركة، لإقناعهم بإيقاف المسيرة والانتقال إلى مقر الإدارة بتيغزى، حيث عقد لقاء مستعجل جمع ممثلي العمال بإدارة الشركة، تحت إشراف السلطات المحلية.
وكان اللقاء، الذي استهل بقراءة الفاتحة ترحماً على أرواح العمال الثلاثة، مناسبة لفتح نقاش مباشر وغير مألوف حول واقع العمل داخل المناجم، وحول المسؤولية المشتركة عن توفير شروط السلامة وحماية الأرواح.
♦️ “الجميع مسؤول عن الصحة والسلامة”
مدير الشركة بتيغزى، السيد نبيل، أكد خلال اللقاء أن مسؤولية الصحة والسلامة لا تقع على طرف واحد، قائلاً إن “الجميع مسؤول عن الصحة والسلامة داخل المنجم”، ومشدداً على أن العامل الذي يشعر بوجود خطر عليه أن يرفض مواصلة العمل إلى حين التأكد من سلامته.
كما قدم المدير عرضاً عن الوضعية التي قال إنه وجد عليها الشركة عند تسلمه مهامه، واصفاً إياها بأنها كانت في “وضعية موت سريري”، ومتحدثاً عن مجهودات قال إنها بذلت لإعادة تنظيم الإمكانيات والوسائل اللوجستيكية، وتقييم الأطر، وتحسين شروط الصحة والسلامة.
وأكد، في السياق نفسه، استعداده لتحمل مسؤوليته كاملة، إلى درجة مغادرة منصبه إذا ثبت أن وجوده على رأس الإدارة هو مصدر المشاكل.
غير أن هذه التصريحات لم تمنع العمال من طرح جملة من المؤاخذات التي اعتبروها مرتبطة بتراكمات تتجاوز حادثاً بعينه.
♦️ العمال: المشكلة ليست في حادث منفرد
المداخلات العمالية اتجهت في مجملها إلى رفض اختزال الحادث الأخير في مجرد قضاء وقدر، معتبرة أن ما وقع يجب أن يُقرأ في ضوء ظروف العمل المتراكمة داخل المنجم.
ومن بين أبرز النقاط التي أثارها العمال، ما وصفوه بالضغط الذي تمارسه بعض شركات المناولة من أجل تحقيق الإنتاج، في مقابل عدم توفير شروط السلامة بالقدر الكافي، فضلاً عن الحديث عن استعمال تجهيزات وآليات متقادمة، وضعف وسائل الإنقاذ والإغاثة.كما أثيرت مسألة التهوية، خصوصاً في بعض المناطق التي تعرف ارتفاعاً في درجات الحرارة، إلى جانب غياب أو محدودية بعض منافذ الإغاثة، وهي عناصر يرى العمال أنها لا يمكن فصلها عن منظومة السلامة ككل.
وأثار عدد من المتدخلين كذلك قضية تأهيل العمال، خصوصاً في المهام المرتبطة باستعمال المتفجرات، متسائلين عن مدى احترام شروط التكوين والتأهيل والخبرة المطلوبة قبل إسناد مثل هذه المهام إلى العمال.
ولم يتوقف النقاش عند شروط العمل التقنية، إذ تحدث أحد العمال عن وثيقة وصفها بالمزورة قال إنها حرمته من مستحقات وتعويضات، فيما تحدث عاملان آخران عن تعرضهما لإصابات وكسور خطيرة قالا إنهما لم يتلقيا بشأنها التعويضات التي يستحقانها.
وهي تصريحات تظل، بطبيعة الحال، بحاجة إلى التحقق من الوثائق والجهات المختصة قبل ترتيب أي مسؤولية قانونية بشأنها.
♦️ “الإنتاج أغلى من الأرواح؟”من أكثر اللحظات دلالة خلال اللقاء، اعتراض العمال على استمرار العمل بعد الحادث المميت، معتبرين أن استئناف الإنتاج في ظروف لم تتضح فيها، بحسب قولهم، كل عناصر السلامة، يعطي الانطباع بأن وتيرة الإنتاج أصبحت مقدمة على سلامة الإنسان.
وقال أحد المتدخلين، في تعبير يلخص حجم الاحتقان، إن عمال مناجم عوام يشعرون وكأنهم “ينتظرون دورهم في المرض أو الإصابة أو الموت”.
وطالب العمال بالكشف عن الإجراءات التي اتخذت بعد حادث “البير الجديد”، وعن مآل التحقيقات، والمسؤوليات المحتملة، وكذا الإجراءات المتعلقة بأسر الضحايا.
كما طالبوا بتوفير سيارة إسعاف مجهزة ومسعف متخصص، باعتبار أن طبيعة العمل المنجمي تفرض، بحسب طرحهم، وجود وسائل تدخل سريع تتناسب مع مخاطر العمل تحت الأرض.
♦️ مسؤولة السلامة: التقارير ترفع إلى الإدارة المركزية
من جانبها، أوضحت مسؤولة السلامة أن التقارير المرتبطة بالصحة والسلامة المهنية يتم رفعها باستمرار إلى الإدارة المركزية بالدار البيضاء، لكنها أشارت إلى أن التفاعل معها لا يكون دائماً، بحسب ما ورد في تدخلها.
وبذلك كشف النقاش عن فجوة محتملة بين ما يتم رصده ميدانياً من طرف المكلفين بالسلامة، وبين ما يتم اتخاذه فعلياً على مستوى القرار الإداري، وهي نقطة تستحق، إذا تأكدت بالوثائق، تحقيقاً مستقلاً في مسار معالجة تقارير السلامة داخل المؤسسة.
وفي السياق نفسه، وجه أحد المتدخلين، انتقادات مباشرة إلى شركات المناولة، معتبراً أن بعض ممارساتها تمس بحقوق العمال وتهدد السلم الاجتماعي.
♦️ شركات المناولة.. الحلقة التي تستحق التدقيقاللافت في هذا اللقاء أن جزءاً مهماً من النقاش لم يعد متعلقاً فقط بحادث انفجار أو بوسائل تقنية داخل المنجم، وإنما امتد إلى طبيعة العلاقة بين الشركة الأصلية وشركات المناولة.
فإذا كانت شركات المناولة تؤدي مهاماً داخل منشآت الشركة الأصلية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: أين تنتهي مسؤولية شركة المناولة وأين تبدأ مسؤولية الشركة المستفيدة؟
♦️ والأهم من ذلك، ما هي طبيعة علاقة العمال فعلياً برب العمل؟ففي الحالات التي يكون فيها العامل تابعاً، في الواقع اليومي، لتوجيهات ومسؤولية وإشراف الشركة الأصلية، بينما تظل علاقته التعاقدية مكتوبة مع شركة مناولة، فإن الأمر يستحق فحصاً قانونياً دقيقاً لطبيعة هذه العلاقة، بعيداً عن مجرد تسمية العقد أو اسم الشركة الموجودة على الورق.
♦️ هل نحن أمام مناولة حقيقية أم إعادة ترتيب للعقود؟المعطيات التي يطرحها العمال والنقابيون تفتح أيضاً ملفاً أكثر تعقيداً يتعلق بتجدد عقود بعض شركات المناولة، واستمرار العمال في أداء المهام نفسها وتحت الإشراف نفسه، مع تغيير الصفة أو العقد من حين إلى آخر.
👈 وتبرز هنا أسئلة تحتاج إلى إجابات موثقة:هل يتعلق الأمر فعلاً بعقود مناولة مستقلة، لها مقوماتها القانونية والتنظيمية، أم أن بعض الحالات قد تكون مجرد وسيلة لإعادة صياغة علاقة شغل دائمة في شكل عقود مؤقتة ومتجددة؟
وهل تخضع هذه الشركات فعلاً للاستقلال الإداري والتنظيمي المفترض في علاقة المناولة، أم أن العامل يظل، من الناحية العملية، تحت التوجيه المباشر للمؤسسة الأصلية؟
وهل يتم اللجوء، في بعض الحالات، إلى إنهاء شركة مناولة على الورق ثم إنشاء شركة أخرى تستمر في النشاط نفسه، وبالعمال أنفسهم والمهام نفسها، بما يطرح سؤالاً مشروعاً حول حقيقة التغيير الحاصل، وما إذا كان يتعلق بتغيير قانوني حقيقي أم بمجرد تغيير في الواجهة التعاقدية؟
♦️ المياومون والترسيم.. سؤال آخر على الطاولة
ومن الملفات التي تستحق التحقيق كذلك وضعية العمال المياومين أو الذين يتم تشغيلهم بعقود متكررة ومحددة المدة.
فإذا كان العامل يؤدي، لسنوات، مهاماً مستمرة ومرتبطة بالنشاط الاعتيادي للمنجم، فإن استمرار تشغيله بعقود متجددة يطرح تساؤلات حول طبيعة العلاقة الشغلية، ومدى احترام الحقوق المرتبطة بالأقدمية، والترقية المهنية، والتعويضات، والحماية الاجتماعية، وسائر الحقوق التي قد تترتب عن علاقة شغل مستقرة متى توفرت شروطها القانونية.
وهنا لا يتعلق الأمر بإطلاق حكم مسبق على جميع شركات المناولة أو على جميع العقود، وإنما بطرح سؤال جوهري: هل تُستخدم المناولة والعقود المحددة المدة باعتبارها آليات قانونية لتنظيم العمل، أم أن بعضها قد يتحول، في الممارسة، إلى وسيلة لتفادي الالتزامات المرتبطة بعلاقة الشغل المستقرة؟
♦️ خطة عمل أم وعود جديدة؟
في ختام اللقاء، دعا قائد قيادة الحمام إدارة الشركة إلى الالتزام بمعالجة المشاكل التي طرحها العمال، وفق آجال محددة وخطة عمل واضحة، فيما أعاد مدير الشركة التأكيد على أن أي عامل يشعر بوجود خطر عليه أن يتوقف عن العمل إلى حين التأكد من سلامته.
لكن الرهان الحقيقي لن يكون في التصريحات التي قيلت داخل قاعة الاجتماع، وإنما في ما سيحدث بعدها.
▪️هل ستتحول هذه الالتزامات إلى إجراءات ملموسة داخل المناجم؟
▪️هل ستتم معالجة اختلالات التهوية والإنقاذ والتجهيزات ووسائل الاتصال؟هل ستتم مراجعة طريقة التعامل مع شركات المناولة؟
▪️هل سيتم فتح افتحاص مستقل لعقود المناولة، ومسارات تجديدها، ووضعية العمال المياومين، ومدى احترام حقوقهم المهنية والاجتماعية؟
▪️ثم، والأهم، هل سيتم الكشف عن نتائج التحقيق في حادث “البير الجديد”، وتحديد المسؤوليات، وضمان حقوق أسر العمال الثلاثة الذين فقدوا حياتهم؟
أسئلة كثيرة خرجت اليوم من باطن مناجم عوام إلى العلن.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل أصبحت السلامة فعلاً أولوية تسبق الإنتاج، أم أن العمال سيظلون مطالبين كل يوم بالنزول إلى أعماق المنجم وهم لا يعرفون ما إذا كانوا سيعودون إلى أسرهم سالمين؟
ويبقى هذا الملف مفتوحاً على مزيد من التحقيق والتدقيق في الوثائق والعقود والمعطيات الميدانية، لأن حماية العامل المنجمي يجب أن تكون مسؤولية قانونية ومهنية وإنسانية يفترض أن تكون قابلة للمساءلة والمحاسبة.



Comments
0