من المؤسف أن يتحول الشهر الفضيل، الذي يجتمع فيه أفراد الأسرة المغربية حول مائدة الإفطار، إلى موعد لمشاهدة أعمال درامية لا ترقى حتى لمستوى التسلية، ناهيك عن الفن الراقي. ما يُعرض على بعض القنوات العمومية من مسلسلات هذا العام يثير القلق والاشمئزاز على حد سواء: حوارات مبتذلة، لغة سوقية، ومشاهد مبالغ فيها، كلها عناصر تُبعد عن المشاهد أي أثر للإبداع الحقيقي أو القيمة الفنية.
الفن رسالة، هكذا كنا نؤمن. لكنه اليوم يبدو وكأنه فقد رسالته تمامًا. ما نشاهده ليس دراما أو إنتاجًا إبداعيًا، بل استعراضًا فارغًا يحشو المشاهد بمصطلحات التشرميل وحركات مبتذلة، في محاولة فاشلة لافتعال كوميديا سطحية على حساب القيم والذوق العام.

الأمر أخطر من مجرد ذوق شخصي؛ هو مسؤولية المؤسسات الإعلامية العمومية التي تُموَّل من جيوب المواطنين. المواطن المغربي يدفع ليرى محتوى يرفع من وعيه ويثري عقله وذائقته، لا ليتعرض لعفن فني يتظاهر بالإبداع بينما هو مجرد هراء مسلّع.
وعلى الرغم من أن بعض القائمين على هذه الأعمال يرددون عبارة “الفن رسالة”، السؤال البسيط يبقى: أي رسالة؟ هل هي الدعوة إلى الابتذال؟ أم تشجيع المشاهد على التمسك بالسطحية؟ الحقيقة المحزنة أن الجمهور المغربي اليوم لم يعد يقبل أن يُعامَل كمجرد مستهلك سلبي؛ إنه يبحث عن الفن الذي يحترم ذكاءه ويعكس ثقافته.
الإبداع لا يُصنع بحركات الفم أو عبارات السوق، ولا يُقاس بالضجة التي تحدثها الإعلانات أو أعداد المشاهدين في رمضان فقط. بل يُقاس بقدرته على التأثير الإيجابي، وترك بصمة فكرية وجمالية حقيقية في ذهن المتلقي. وكل ما يُنتج خارج هذا الإطار ليس سوى ضجيج عابر، يذهب مع نهاية الموسم بلا أثر يُذكر.
على صناع الدراما والقنوات العمومية أن يتحملوا مسؤوليتهم: إعادة الفن المغربي إلى مساره الطبيعي، احترام الذوق العام، وتقديم محتوى يليق بالمجتمع المغربي وثقافته، لا محتوى يسيء إليه ويكرّس الرداءة كمعيار للنجاح.
إن استمرار هذا النهج لا يُسيء فقط للدراما، بل يسيء إلى كل مشاهد يجلس أمام الشاشة طمعًا في الفن الحقيقي… فهل ستبقى قنواتنا العمومية تبيع الابتذال بدل الرسالة؟


Comments
0