لم يعد من المقبول أن يختزل المريض في رقم، أو أن تختصر كرامته في فاتورة، أو أن يقايَض حقه في العلاج بحريته الشخصية.
فالقضية التي تفجّرت مؤخرًا داخل إحدى المصحات الخاصة بالدار البيضاء، والمتعلقة بشابة مغربية مقيمة بألمانيا، ليست مجرد خلاف مالي عابر، بل إنذار صارخ يكشف وجهًا مقلقًا من جشع بعض مؤسسات العلاج الخاصة واستهتارها بحقوق المواطنين.
دخلت الشابة المصحة طلبًا للعلاج، فخرجت وفق ما تداوله ذويها ضحية مسار غامض من الفحوصات والتحاليل، انتهى بفاتورة وُصفت من طرف شركة التأمين الصحي الألمانية بـ«غير المبررة» و«المبالغ فيها»، تجاوزت ستين مليون سنتيم. وعندما رفضت شركة التأمين الأداء لعدم تناسب الكلفة مع الخدمات، لم تلجأ المصحة إلى القضاء أو إلى مساطر التحكيم، بل وهنا مكمن الخطورة إلى ما يشبه الاحتجاز داخل فضاء يفترض أنه للعلاج لا للعقاب.
الأدهى أن النزاع، بدل أن يُدار بروح المسؤولية، تحوّل إلى ضغط مباشر على المريضة وأسرتها، مع حديث عن سحب هاتفها وحاسوبها، في سلوك لا يمكن وصفه إلا باعتداء صارخ على الحرية الشخصية والكرامة الإنسانية. فمتى أصبح المريض رهينة؟ ومتى صار الخلاف المالي مبررًا للحجز والمنع والتجريد من أبسط الحقوق؟
إن تخفيض المبلغ لاحقًا من ستين إلى خمسة عشر مليون سنتيم لا يغيّر جوهر الإشكال، بل يعمّقه: إذا كان الرقم الأول قابلًا للتخفيض بهذه السهولة، فما الذي يضمن أن لا تكون الفاتورة أصلًا مفصلة على مقاس الجشع لا على مقاييس الطب؟ وأين هي الشفافية؟ وأين هي أخلاقيات المهنة التي تجعل صحة الإنسان فوق أي حساب ربحي؟
هذه القضية لا تخص أسرة بعينها، بل تمس ثقة المواطنين، وخاصة مغاربة العالم، في المنظومة الصحية الخاصة. كما تسيء لسمعة المغرب لدى شركاء التأمين الدوليين، وتبعث برسالة خطيرة مفادها أن العلاج قد يتحول، في بعض الحالات، إلى فخ مالي، وأن باب المصحة قد يُغلق لا حمايةً للمريض، بل حمايةً للفاتورة.
إن المطلوب اليوم ليس بيانات تبرير، بل تدخل حازم من السلطات الصحية والقضائية، وفتح تحقيق مستقل وشفاف، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالطب رسالة إنسانية قبل أن يكون نشاطًا تجاريًا، وكرامة الإنسان خط أحمر لا يجوز التلاعب به. وإذا صمتنا اليوم، فقد نصحو غدًا على واقع يصبح فيه كل مريض مشروع ابتزاز، وكل سرير علاج قيدًا جديدًا على الحرية.


Comments
0