وجدة التي أنجبت محمد خير الدين، ومحمد زفزاف، ومسرح الطيب الصديقي، تبدو اليوم كمدينة نسيت كيف تتكلم. شوارعها تتحرك، أسواقها لا تهدأ، لكن مشهدها الثقافي ساكن.
قاعات مغلقة، مهرجانات متعثرة، وجمعيات تلهث وراء دعم لا يأتي. هنا لا نتحدث عن غياب المواهب، فوجدة لا تزال تنجب شعراء ومسرحيين وموسيقيين كل سنة.
نتحدث عن عجز الميزان الثقافي فكل ما يُنتج من طاقة إبداعية يصطدم بجدار الإهمال والمركزية والارتجال. ان المدينة لا تفتقر للفضاءات.
عندنا المسرح البلدي، دار الثقافة، معهد الموسيقى، قاعة العروض بجامعة محمد الأول. لكن اسأل أي شاب مهتم بالثقافة: متى كانت آخر مسرحية؟ متى آخر معرض تشكيلي مفتوح للعموم؟ متى آخر أمسية شعرية لا يحضرها سوى المنظمون وأصدقاؤهم؟والجواب يكشف الخلل. البنية موجودة لكنها معطلة.
تُفتح للمناسبات الرسمية وتُقفل بعدها. لا برمجة سنوية واضحة، لا تواصل مع الجمهور، لا استثمار في التذوق الثقافي لدى الناشئة. فتتحول القاعات إلى ديكور إداري بدل أن تكون رئة تتنفس بها المدينة.والميزانية الثقافية بوجدة من يتحكم فيها؟لان النتيجة تبرز كون المشاريع التي تُقبل هي تلك التي تعرف كيف “تُسوق” نفسها إدارياً، لا تلك التي تمس حاجة المدينة الفعلية.
وفي المقابل، الفاعل الثقافي المحلي يجد نفسه في سباق استنزاف: ملفات، تقارير، وعود، ثم صمت. كثيرون توقفوا. وكثيرون هاجروا إلى الرباط والدار البيضاء لأن المدينة لا تطعم فنانها. انه من السهل إلقاء اللوم على “غياب الذوق العام”. لكن الذوق لا يهبط من السماء. فحين تغيب البرمجة المدرسية الثقافية، وحين لا ترى الأسرة في المسرح والسينما إلا ترفاً، وحين تكون التذكرة أغلى من وجبة، يصبح الجمهور غائباً رغماً عنه.ووجدة مدينة شبابية، لكن شبابها لا يجدون ما يشاهَدون. لا سينما قارة، لا فضاءات مفتوحة للعرض الحر، لا مهرجانات شابة تكسر احتكار المناسبات الرسمية. فينصرف الشباب إلى الهاتف، وتُتهم المدينة بأنها “غير ثقافية”.ان المدينة التي لا تنتج خطاباً ثقافياً تصبح مدينة بلا ذاكرة، وبلا قدرة على نقد نفسها. وجدة اليوم تعاني من العنف، من البطالة، من تراجع الفضاء العام.
وكل هذه الملفات تحتاج إلى الثقافة لتفكها وتعيد صياغتها. المسرح يعالج العنف، الأدب يؤرخ للهامش، الفن التشكيلي يسترجع الذاكرة البصرية للمدينة. لكننا نعامل الثقافة كحفلة عيد أو كديكور لموسم سياحي، ثم نعود لنشتكي من “غياب الهوية” و”ضعف الانتماءختاما ان إعادة التوازن للميزان الثقافي بوجدة لا تحتاج لمعجزة مالية. تحتاج لقرار سياسي بسيط: – برمجة سنوية شفافة- دعم مباشر للجمعيات الشابة دون احتكار – فتح الفضاءات العمومية للعرض الحر، في الساحات والشوارع، بدل حبسها داخل القاعات المغلقة.- إشراك الجامعة والمعاهد في إنتاج المحتوى الثقافي، لا الاكتفاء بها كمكان للعروض.
ان وجدة ليست فقيرة ثقافياً. هي فقط مدينة تُدار ثقافياً بعقلية موسمية وارتجالية. والسؤال المطروح اليوم ليس “أين مثقفو وجدة؟”، بل “أين السياسة الثقافية التي تمنحهم سبباً للبقاء والإبداع هنا؟”.فإما أن نعيد للمدينة صوتها، أو سنبقى نستمع فقط إلى صدى صمتها.


Comments
0