في مدينة مثل فاس، حيث تختلط الذاكرة بالحجارة وتتعانق الأزمنة على جدرانها، لم يكن غريبًا أن يولد فنان مثل ياسين ابن موسى. شاب في الخامسة والعشرين من عمره، لكنه يحمل في عدسته ما يشبه دهشة القرون التي مرّت فوق المدينة. فاس بالنسبة إليه ليست مجرد مكان، بل ذاكرة حيّة، وفضاء تتكثف فيه الأسئلة الكبرى حول الهوية والإنسان والحكاية.
ياسين ابن موسى، فنان متعدد، يمارس التصوير والسينما والكتابة بكثير من الصدق وكثير من البحث الداخلي. حاصل على دبلوم تقني متخصص في السمعي البصري، ودبلوم في التصميم والإنتاج، لكنه في عمق تجربته يتجاوز حدود التكوين التقني إلى رغبة مستمرة في فهم الإنسان، ذاك الإنسان الذي يتوارى خلف صمته وملامحه وتلك التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد.
مشروعه الأبرز، البحث عن وجه مفقود، ليس مجرد عنوان لمجموعة فوتوغرافية، بل هو إعلان عن رحلة نفسية، عن محاولة لاستعادة شيء ما من ذاكرته الخاصة عبر وجوه الآخرين. تلك الوجوه التي يلتقطها ليست وجوهًا عابرة، بل بقايا حياة، رواسب ألم، وحنين يتخفّى تحت تعابير بسيطة لكنها مشحونة بما يكفي لقول ما لا يُقال. كأن الفنان يحاول أن يعثر في كل وجه على القطعة التي تنقصه، أو أن ينقذ ما بقي من وجوه يهددها الزمن بالنسيان.
وفي كتابه ومعرضه ذكريات ضائعة، وجوه مفقودة، الذي عرضه بمركز النجوم بالمدينة القديمة، قدّم ياسين تجربة بصرية تشبه السير داخل ذاكرة جماعية. الوجوه ليست مجرد موضوع للتصوير، بل أرشيف إنساني يعيد الاعتبار للذين لا تُذكر أسماؤهم إلا حين يظهرون في صورة. في كل لقطة يبرز أثر المكان، أثر الحياة، وأثر الهشاشة التي تميز الإنسان مهما حاول الاختباء.
وإلى جانب مساره الفوتوغرافي، يشق ياسين طريقه في عالم السينما. فيلمه القصير آخر نفس يكشف ميله إلى الصورة التي تفكر وإلى اللقطة التي تتنفس. تأثره بوونغ كار واي وزفياغينتسيف يظهر في طريقة بناء الإيقاع والبُعد الشعري في السرد، لكنه يحاول، رغم تأثيرات السينما العالمية، أن يمنح فيلمه جذوره الخاصة. لا شيء في فيلمه يصرخ، بل كل شيء يهمس، وكل لحظة تحمل ظلال سؤال أكبر مما يبدو على الشاشة.
اشتغاله في مساعدة الإخراج مع محمد عهد بنسودة، ومشاركته كممثل في فيلمي جلال الدين وتوريا، منحته عمقًا آخر، وجعله يفكر في السينما من الداخل، في الأداء، وفي تلك اللحظة الدقيقة التي يلتقي فيها الممثل بالكاميرا، حيث تتكشف النفس أكثر مما تتكشف الكلمات.
ولد ياسين في بيت فني، فوالده عازف كمان في الموسيقى الأندلسية، وهذه البيئة أغنت حسه الجمالي، وجعلته ينظر إلى الفن بوصفه أسلوبًا في الحياة لا مجرد مهنة. لم يكن غريبًا، إذن، أن يحمل في أعماله ذلك البعد الموسيقي الخفي، حيث تتداخل الإيقاعات البصرية مع المشاعر كأن الصورة نفسها تتحرك على إيقاع داخلي.
ياسين ابن موسى لا يقدم صورًا جميلة فحسب، بل يقدم مشروعًا بصريًا قلقًا، مشبعًا بالأسئلة، مشروعًا يبحث عن الإنسان في أعمق نقطة من ملامحه. وهذا ما يجعله صوتًا شابًا جديرًا بالمتابعة، ففنّه ليس مجرد بحث عن لحظة فوتوغرافية ناجحة، بل بحث عن المعنى، عن الذاكرة، عن الوجوه التي نحملها ونفقدها، عن ما يظل في الداخل حين يغيب كل شيء.
ومع كل خطوة يخطوها، يبدو واضحًا أن مسار هذا الفنان لا يزال في بدايته، لكنه يحمل ملامح نضج مبكر، نضج لا يأتي من العمر، بل من عمق الرؤية، ومن قدرة نادرة على الإصغاء لما تقوله العيون حين لا يقول الفم شيئًا.
هذا هو عالم ياسين ابن موسى، عالم من الصمت الذي يحكي، ومن الوجوه التي تستعيد وجودها أمام عدسته، ومن مدينة تمنحه ظلالها ليعيد صياغتها بلغة الضوء.









Comments
0