مع حلول شهر رمضان، تتحول ساعات ما بعد الإفطار إلى موعد يومي ثابت أمام الشاشة. لحظة جماعية تنتظر فيها الأسر عملا يليق بالمناسبة، ويرتقي بذوقها، ويمنحها متعة فنية حقيقية. غير أن الانتظار، في كثير من الأحيان، ينتهي بإحساس خافت بالخيبة.
الذروة الرمضانية ليست زمنا عاديا في البرمجة التلفزيونية، إنها امتحان سنوي للجودة. ففي هذا الشهر، ترتفع نسب المشاهدة، وتتسع دائرة النقاش، ويصبح العمل المعروض تحت مجهر الجمهور. ومع ذلك، يبدو أن الرهان لا يزال في حالات كثيرة على الكم بدل القيمة، وعلى الحضور بدل الأثر.
ولكي نكون منصفين، لا يمكن إنكار وجود أعمال تحاول كسر هذا النمط، وتقدم معالجة محترمة من حيث الفكرة أو الإخراج أو الأداء. هناك تجارب تثبت أن الجودة ممكنة حين تتوفر الإرادة والاحترافية. غير أن هذه النماذج، رغم أهميتها، تبقى محدودة أمام موجة من الإنتاجات التي تعتمد على التكرار وسهولة الطرح.
ومن بين الإشكالات البارزة، تكرار الأسماء نفسها في أكثر من عمل خلال الموسم ذاته. الممثل ذاته يحضر في سلسلة، ثم يظهر في أخرى، وأحيانا في التوقيت نفسه، بشخصيات لا تفصل بينها مسافة فنية كافية. النتيجة ارتباك لدى المشاهد، وتراجع في عنصر المفاجأة، حتى يصبح السؤال مشروعا: ماذا نشاهد تحديدا؟
المسألة لا ترتبط بكفاءة بعض هذه الأسماء، فعدة وجوه راكمت تجربة محترمة، لكن الإشكال يكمن في ضيق دائرة الاختيار. هل يتعلق الأمر بندرة في الطاقات؟ أم بآليات إنتاج تفضل الأسماء المألوفة وتراهن على “الأمان” بدل المغامرة؟ حين تضيق الفرص أمام وجوه جديدة، يفقد المشهد حيويته، وتذوب الفوارق بين الأعمال.
الكوميديا تبنى أحيانا على مبالغات جاهزة، والدراما تميل إلى التبسيط، بينما يغيب الاشتغال العميق على النص. الإبداع ليس صخبا، بل فكرة محكمة، وشخصية مكتوبة بوعي، وأداء يستند إلى تكوين وتجربة.
المشاهد المغربي اليوم أكثر وعيا، وأكثر قدرة على التمييز. يقارن، يناقش، وينتقد. لذلك فإن الحديث عن “التجديد” يفقد معناه حين لا يترجم إلى جودة ملموسة. الثقة تبنى بالفعل، لا بالتصريحات.
رمضان فرصة سنوية لإعادة تعريف العلاقة بين الشاشة والمشاهد. فإما أن تتحول الذروة إلى مساحة حقيقية للإبداع، أو يظل الانتظار أكبر من النتيجة. النقد ليس تقليلامن الجهود، بل دعوة صريحة للارتقاء.


Comments
0