بين العقل والإيمان: تأملات في الخير والشر ومسؤولية الإنسان - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |مجتمع

بين العقل والإيمان: تأملات في الخير والشر ومسؤولية الإنسان

IMG-20260227-WA0017

Between Reason and Faith: Reflections on Good, Evil, and Human Responsibility

كلما اقترب شهر رمضان المبارك، تتجه أنظار العقلاء إلى مراجعة ذواتهم وتأمل مساراتهم، وكأن الإنسانية تقف على مشارف مفترق طرق يلوح في الأفق بوضوح. هناك طريق الخير، فسيحٌ نقيّ، تتزين جوانبه بالأزهار والورود والأشجار المثمرة على اختلاف ألوانها، فيبعث في النفس الطمأنينة ويغري بالسير فيه. وعلى الجانب الآخر يلوح طريق الشر، شاحب الملامح، موحش المعالم، تكتنفه مخاوف وأهوال، وتحيط به أشواكٌ متشابكة كأنها رؤوس شياطين، تنذر من يسلكه بعواقب وخيمة.

يبدو هذا الطريق أحياناً ضيقاً تكثر فيه المنعطفات الحادة، غير أن اللافت للنظر هو الإقبال الكبير على سلوك طريق الخير مقابل قلة السائرين في طريق الشر، خاصة في هذه الفترة من العام ومع مطلع شهر رمضان المبارك. لذلك يتمنى كثير من الناس لو تطول هذه الأيام المفعمة بالخير، ويستمر بهم المسير في هذا الدرب الجميل شكلاً ومضموناً، وأن تدوم عليهم تلك النفحات الإيمانية الربانية لما تتركه من أثر إيجابي عميق في النفوس، وما تبثه من روح الرأفة والرحمة تجاه سائر المخلوقات. وهكذا يظل الإنسان في سعي دائم لاكتشاف الحقيقة التي تطمئن قلبه ووجدانه، وتحثه على محبة الخير ونبذ الشر وسبله الملتوية، ليختار بإرادة واعية نهج طريق الخير ويثبت عليه.

معرفة الحقيقة من منظور الفلاسفة

تبقى مسيرة البحث عن الحقيقة مساراً يشد الأنظار ويهم شرائح كثيرة من مختلف المجتمعات، إذ غالباً ما يتساءل المرء عن الحقيقة، حتى في ظل أسوء الأحوال خلال الفترات الحالكة من عمره أو خلال الكوارث الطبيعية حيث يرى كيف يقبل الكل على فعل الخير والتسارع في الاحسان. فما هي أسباب تلك النزعة التي تقود الناس إلى فعل الخير بغض النظر عن مرجعيتهم الدينية أو العرقية؟ تلك أسئلة ظلت محيرة وتجاذب أطراف الحديث عنها والتعمق فيها الكثير من بني البشر بما في ذلك الفلاسفة والعلماء وعلماء الاجتماع وغيرهم منذ القدم، بل ترعرع ذلك الفكر إبان بزوغ الفلسفة اليونانية ومن خلال الفلاسفة الإسلاميون والفرق الكلامية المسلمة. فمنذ القدم خاضت عدة فرق ومدارس فكرية في البحث عن الحقيقة ومعرفة جوهر الوجود، فظهرت الفلسفة المثالية التي ركّزت على أولوية الفكر، والوجودية التي اهتمت بحرية الإنسان ومعنى حياته، والسفسطائية التي اعتمدت الجدل والنسبية، كما سعت فرق كلامية إسلامية مثل المعتزلة والمرجئة والأشاعرة إلى فهم الحقيقة من منظور عقلي وعقدي، إضافة إلى إسهامات الفلاسفة الأوائل في اليونان الذين وضعوا أسس التفكير الفلسفي والنقاش حول المعرفة والوجود.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، يرى الفيلسوف الشهير سقراط أن الوصول إلى عمق مفهوم الحقيقة هو ما يحمي كنه إحساس المرء بنفسه ووجوده. فالوصول إلى معرفة الفضيلة يجعلك تؤمن بها وبالجانب الإيجابي لها. كما أن وصولك إلى معرفة معنى الخير سيقودك إلى فعله ويجعلك تكره فعل الشر. وبالتالي، فإن وصولك إلى فهم معنى الشر سيدفعك إلى تجنب فعله، ويقودك إلى فعل الخير. وقد نُسب إليه القول إن الإنسان لا يخطئ عن قصد، بل نتيجة الجهل بحقيقة الخير؛ وهي فكرة تعكس إيمان الفلسفة اليونانية بأن المعرفة الأخلاقية أساس السلوك القويم.

وفي هذا السياق، وكما أشرنا إليه أعلاه، يبرز سقراط، أكثر من غيره، بوصفه أحد أبرز الفلاسفة الذين ربطوا السعادة بطريق الخير وبالبحث عن الحقيقة؛ إذ كان يرى أن معرفة الإنسان لذاته ولمعنى الخير هي الأساس الذي يقوده إلى السلوك القويم. فقد أكد أن الجهل هو أصل الخطأ، وأن الإنسان متى أدرك حقيقة الخير وآمن بها سيسعى إلى فعلها بطبيعته، لأن النفس العاقلة تميل إلى ما ينفعها ويحقق لها الانسجام والطمأنينة. لذلك جعل سقراط الحوار والتساؤل وسيلة لاكتشاف الحقيقة، معتبراً أن التفكر في القيم والفضائل يوقظ الضمير ويهذب السلوك. وهكذا يصبح البحث عن الحقيقة، في فلسفته، طريقاً نحو الفضيلة والسعادة، ووسيلة للابتعاد عن الشر والوقوع في الخطأ.

الخير والشر في الفكر الفلسفي

ارتبط سؤال الخير والشر منذ القدم بمحاولة فهم طبيعة الإنسان ودوافعه. فأفلاطون، على سبيل المثال، يرى أن العدالة هي في حقيقة الأمر انسجام داخلي في النفس قبل أن تكون نظاماً اجتماعياً، وأن الظلم اضطراب يصيب الفرد والمجتمع معاً. أما أرسطو فقد ربط الفضيلة بالممارسة والتعوّد (habit formation)، مؤكداً أن الإنسان ” يصبح عادلاً بممارسة العدل”، أي أن الأخلاق لا تُكتسب نظرياً فقط، بل بالتربية والممارسة اليومية. فما أحوجنا إلى مثل هذا التعود وإلى تعلم هذا السلوك في زمننا الحاضر حيث يبدو أن الشر بدأ يدب ويزاحم الخير أكثر فأكثر في مجتمعات كثيرة حول العالم.

وفي الفلسفة الحديثة، شدد إيمانويل كانط (Emmanuel Kant) على مبدأ الواجب الأخلاقي، داعياً إلى معاملة الإنسان كغاية لا كوسيلة، وهو مبدأ يرفض استغلال الفقراء أو تحويل حاجتهم إلى أداة لتحقيق مصالح الأقوياء. كما حذّر بعض الفلاسفة من أن الانغماس في الصراع مع الظلم قد يفسد صاحبه. ويُنسب إلى نيتشه Friedrich Wilhelm Nietzsche ) 1844 (1900- قوله إن “من يحارب الوحوش ينبغي أن ينتبه حتى لا يتحول هو نفسه إلى وحش”، وهو تنبيه إلى خطورة الطمع والسلطة عندما ينفصلان عن القيم. فالقيم يجب أن تكون هي البوصلة التي تقود الشخص إلى تهذيب سلوكه، أما الإسلام فيرى أن التقوى هي التي تقود الفرد إلى بر الأمان والفوز في الدنيا والآخرة.

وتلتقي هذه الرؤى في أن إعانة الظالم، حتى إن لم تكن مباشرة، تعد جريمة أخلاقية باعتبارها مشاركة في صنع الشر أو التفنن فيه؛ فالسمسار أو الوسيط، على سبيل المثال، الذي يستغل حاجة الفقراء، أو الذي يتحايل بــــــــ “القانون”، ويبحث عن كل ثغرة أو تأويلة ممكنة فيه لإرضاء أصحاب المال والنفوذ، فيخترع لهم الحيل كي يقوم بوساطته “العفنة” تلك بشراء أراض البسطاء والمعوزين بثمن بخس في المزاد العلني الذي يحبك خيوط مسرحيته والسيناريو الخاص بفصولها هو بنفسه وبمساعدة من يطاوعونه في ذلك، ومستعينا بما يمليه عليه المقربون من أمثاله وشيطانه أو قرينه مثلاً، أو ذلك الشخص الذي يشهد بالزور في القيام بخبرة ما او حادثة ما) وقد يمشي على سطح بقعة الأرض، التي يكون فيها نزاع، على أرجله وبدون خجل فقد يكتب في تقريره مثلاً، بأن الأرض غير صالحة للقسمة أو ما شابه ذلك (، فيسهم بذلك في تكريس الظلم الاجتماعي ويقوض مبدأ العدالة الذي تقوم عليه المجتمعات السليمة.

الرؤية الإسلامية للخير والشر

وفي سياق النظرة الفلسفية والتأمل في الحياة، جاء الإسلام ليؤكد مركزية العدل في حياة الإنسان، رابطاً بين الأخلاق والمسؤولية أمام الله عز وجل. يقول تعالى:

﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾،

ويقول أيضاً:

﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾،

وهذا في حد ذاته توجيه صريح يرفض أي شكل من أشكال إعانة الظلم أو تبريره. والغريب في الأمر أن بعض ذوي النفوس الضعيفة يحسبون أن خلق الحيل والتفنن في التحايل هو درب من دروب “الشطارة” كما يقال بالعامية أو العبقرية في التجارة ودروب الحياة. غير أن الدين الحنيف يرى عكس ذلك، بل هو مقت عند الله وخبث يدب في النفوس المهزوزة والمنهزمة داخلياً.

وفي السنة النبوية تحذير شديد من الظلم ونصرة الظالم، فقد قال النبي ﷺ:

“اتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله حجاب”،

كما وردت آثار كثيرة تحث على اجتناب إعانة الظالم ولو بأدنى مساعدة، لأن ذلك يفسد الضمير ويشارك في ترسيخ العدوان. ولذلك نجد بأن الفلسفة الأخلاقية أيضاً ترى في ذلك إخلالاً بمبدأ العدالة والكرامة الإنسانية، والإسلام يعتبره ظلماً صريحاً، والله تعالى يقول:

﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾.

عاقبة الظلم بين الفلسفة والإيمان

تؤكد التجارب الإنسانية، كما تؤكد النصوص الدينية، أن الظلم وإن طال لا يدوم. قال تعالى:

﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾،

وفي الحديث الشريف:

“إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”.

ويوم القيامة يقف الإنسان منفرداً، لا ينفعه مال ولا نفوذ ولا وسطاء، كما قال تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

فالسمسار أو الوسيط الفاسد الذي يدعو إلى الظلم والشر سيدفن وحده، وصاحب المال والجاه سيتخلى عنه الجميع يوم العرض على الرحمن، حين تُقام موازين العدل الإلهي التي لا تحابي أحدا، ولذلك وجب على المرء أن يكون حذراً، وأن يسعى بأن تكون وساطته في فعل الخير وما يقرب إليه.

خاتمة

يلتقي الفكر الفلسفي والتصور الإسلامي في التأكيد على أن الخير يقوم على المعرفة والعدل واحترام الإنسان، وأن الشر غالباً ما ينشأ من الجهل أو الطمع أو سوء استعمال السلطة. غير أن الإسلام يضيف بعداً إيمانياً عميقاً يتمثل في اليقين بالجزاء الإلهي، مما يعزز دافع الإنسان لمقاومة الظلم ونصرة المظلوم.

ومن هنا تبقى مسؤولية الإنسان بعقله وإيمانه معاً أن بصل إلى كنه أو عمق الحقيقة التي تتماشى مع فطرة الإنسان وأن ينحاز إلى الخير، وأن يرفض إعانة الظالم، وأن يدرك أن العدالة ليست خياراً أخلاقياً فحسب، بل هي أساس استقرار المجتمع وسلامة الضمير ومفتاح النجاة في الدنيا والآخرة.

إن التأمل في مسألة الخير والشر، سواء من زاوية الفلسفة أو من منظور الدين، يقود إلى نتيجة جوهرية مفادها أن بناء الإنسان أخلاقياً هو حجر الأساس في استقامة المجتمعات واستقرار الأوطان. فالفضيلة ليست مجرد فكرة نظرية، بل سلوك يومي يتكوّن بالتربية والتنشئة والممارسة، ولذلك تبرز ضرورة غرس القيم الأخلاقية في نفوس النشء منذ الصغر، حتى يصبح فعل الخير ميلاً طبيعياً لديهم، ويغدو تجنب الشر قناعة راسخة لا مجرد التزام عابر. وكما قال الشاعر أحمد شوقي قصيدة “الأخلاق”:

إنما الأممُ أخلاقُهم ما بقيت… فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا

كما أن الأسرة تتحمل الدور الأول في هذه التربية، فهي المدرسة الأخلاقية الأولى التي يتعلم فيها الطفل الصدق والأمانة والرحمة واحترام الآخرين. ثم يأتي دور المدرسة والمجتمع بمؤسساته الثقافية والتربوية والإعلامية لترسيخ هذه القيم وتحويلها إلى ثقافة عامة وسلوك اجتماعي. وقد أشار الفلاسفة منذ أرسطو وسقراط وغيرهم إلى أن الفضيلة تُكتسب بالتعوّد والتربية، بينما يؤكد الإسلام هذا المعنى بوضوح حين يربط الأخلاق بالإيمان والعمل الصالح.

وقد دعا القرآن الكريم إلى المبادرة والتسابق في فعل الخير، فقال تعالى:

﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾،

وقال أيضاً:

﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾،

في إشارة إلى ما يجلبه البر والإحسان من طمأنينة وسعادة في الدنيا قبل الآخرة. وفي السنة النبوية يقول الرسول ﷺ:

“أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس”،

ويقول كذلك:

“من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”.

فهذه النصوص تبرز أن فعل الخير لا ينفع الآخرين فقط، بل يعود على صاحبه بالسكينة والرضا والشعور بقيمة الحياة.

وهنا نجد نقطة التقاء واضحة بين الفلسفة والدين؛ فكثير من الفلاسفة ربطوا السعادة بالفضيلة والعمل الصالح، كما رأى أرسطو أن السعادة الحقيقية تتحقق بممارسة الفضائل، بينما يؤكد الإسلام أن الطمأنينة ثمرة الإيمان والعمل الصالح، وأن الخير طريق سعادة الفرد والمجتمع معاً.

ومن هذا المنطلق، فإن الوطن اليوم في حاجة ماسّة إلى أفراد يسعون إلى فعل الخير، ويقفون في وجه الظلم والفساد على اختلاف صورهما وألوانهما. فصلاح الأوطان لا يتحقق بالقوانين وحدها، بل بضمائر حية وأخلاق راسخة ومصداقية ظاهرة ومتجلية غي شتى دروب المعاملات. الوطن في حاجة إلى الإنسان الصالح الذي يحافظ على أخلاقه ومبادئه، ويصون هويته وثوابت وطنه وأمته ويجعل من فعل الخير والإحسان منهج حياة.

إن بناء مجتمع متماسك وعادل يبدأ بتربية الفرد على القيم، ويستمر بتعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة في ترسيخ ثقافة الخير. وعندما يتسابق الناس إلى الإحسان ويتجنبون الظلم، تتحقق الطمأنينة ويزدهر الوطن، ويصبح الخير قوة فاعلة تصون كرامة الإنسان وتضمن مستقبل الأجيال.

والله ولي التوفيق،،،

* كاتب وباحث في مجال التربية والتعليم والثقافة

.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث