في زمنٍ أصبحت فيه مواقع التواصل والبرامج التلفزية تُوجّه العقول وتُعيد تشكيل القيم، يبرز برنامج لالة العروسة كواحدٍ من أكثر البرامج إثارةً للجدل داخل المجتمع المغربي، ليس فقط بسبب طابعه الترفيهي، بل لأنّه بات يعكس صورة بعيدة عن جوهر الزواج المغربي وقيمه الأصيلة، حتى أصبح الكثيرون يرونه نموذجًا يُساهم في تسليع العلاقات الإنسانية وتحويل الحياة الزوجية إلى استعراض جماهيري مفتوح.فالزواج في الثقافة المغربية لم يكن يومًا مسابقة، ولا مجالًا للتحديات والتصويت والفرجة، بل كان دائمًا ميثاقًا قائمًا على الاحترام، الستر، النضج، وتحمل المسؤولية. بينما يقدم البرنامج صورة مختلفة تمامًا، تقوم على الإثارة، التنافس، والبحث عن الشهرة أكثر من البحث عن بناء أسرة حقيقية.ومن بين أكثر الانتقادات التي تُوجَّه للبرنامج، كونه يُفرغ العلاقة الزوجية من قدسيتها، حيث يتم تصوير الحياة الخاصة للأزواج أمام الملايين، وتحويل تفاصيل البيت والعلاقة اليومية إلى مادة للترفيه. وهذا الأمر يتنافى مع قيم الحياء والخصوصية التي تربّى عليها المغاربة، إذ كان البيت دائمًا مساحةً تحفظ الأسرار لا منصةً لعرضها أمام الكاميرات.كما أنّ البرنامج يُساهم في خلق صورة وهمية عن الزواج، مليئة بالمظاهر والديكور واللباس والحفلات واللقطات الرومانسية المصطنعة، بينما يتجاهل حقيقة الحياة الزوجية التي تقوم على الصبر، الحوار، التفاهم، والتضحية. وهنا تكمن الخطورة، لأنّ فئة كبيرة من الشباب أصبحت تربط الزواج بالبذخ والاستعراض بدل المسؤولية والاستقرار.ولا يمكن تجاهل الطريقة التي يتم بها أحيانًا دفع المشاركين إلى مواقف محرجة أو صراعات مصطنعة فقط من أجل نسب المشاهدة، وهو ما يُحوّل العلاقات الإنسانية إلى مادة استهلاكية هدفها الإثارة لا أكثر. بل إن بعض الحلقات تُقدّم سلوكيات بعيدة عن الوقار المغربي، سواء من حيث طريقة اللباس، أو أسلوب الكلام، أو طبيعة التحديات التي لا تمتّ بصلة لروح الأسرة المغربية المحافظة.ومن الجوانب السلبية كذلك، تكريس فكرة أن قيمة الإنسان مرتبطة بقدرته على الظهور والتنافس وكسب إعجاب الجمهور، في وقتٍ يحتاج فيه الشباب إلى نماذج تُشجع على العلم، العمل، وبناء الذات، لا على البحث عن الأضواء والشهرة السريعة.ثم إنّ البرنامج، رغم تغليفه بطابع “الترفيه العائلي”، يُساهم بشكل غير مباشر في نشر ثقافة المقارنة بين الأزواج، وخلق توقعات غير واقعية لدى الفتيات والشباب حول الحياة الزوجية. فالكثير من العلاقات الحقيقية تنهار اليوم بسبب الاصطدام بين الواقع البسيط وما يتم الترويج له إعلاميًا من حياة مثالية مزيفة.إنّ المجتمع المغربي، رغم كل التحولات، ما زال مجتمعًا يُقدّس الأسرة ويعتبر الزواج مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون احتفالًا أو صورة تُنشر على الشاشة. لذلك، فكل محتوى يُحوّل هذه المؤسسة إلى لعبة تنافسية أو وسيلة للترفيه السطحي، فهو يُساهم تدريجيًا في تآكل القيم الأصيلة التي حافظت على تماسك الأسر المغربية لعقود طويلة.ولعل السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل البرنامج ناجح من حيث المشاهدات؟ بل: ماذا يزرع في عقول الأجيال الجديدة؟ وهل ما يُقدَّم يُشبه فعلًا الأسرة المغربية الحقيقية، أم أنه مجرد صورة مصطنعة تُنتج الفرجة وتُغيّب المعنى الحقيقي للزواج؟
لالة العروسة… حين يتحوّل الزواج من ميثاق إلى فرجة


Comments
0