تتربع المدرسة العليا لعلم النفس اليوم كنموذج رائد يعيد تعريف التعليم العالي، محولةً الصرح الأكاديمي إلى فضاء إنساني يضج بالحياة، حيث تذوب الحدود بين سطور الكتب ونبض الواقع. إنها المؤسسة التي اختارت سلوك درب التميز، مؤمنةً بأن صناعة الأخصائي النفسي المتمكن تبدأ من ملامسة الجوهر الإنساني قبل الغوص في التشخيصات السريرية.
يتجسد هذا التميز في تلك الورشات الأسبوعية المبتكرة، التي تعد القلب النابض للمؤسسة. ففي ردهات “السيكودراما” وعبر ثنايا “الكولاج” والأعمال اليدوية، يجد الطالب نفسه في رحلة استكشافية لأعماق الذات؛ فالأدوات الفنية هنا هي لغة بديلة تمنح الطالب قدرة استثنائية على فهم الصراعات النفسية وترجمتها. هذا الربط المبدع يجعل من الورشة مختبراً حقيقياً، يخرج منه الطالب إلى الميدان وهو يمتلك “الحدس الإكلينيكي” الذي يجعله يقرأ ما بين السطور ويفهم صمت المعانين قبل كلامهم.
وفي هذا الفضاء الخلاق، يسطع إبداع الطالبات اللواتي حولن الورشات إلى منصات للابتكار الإكلينيكي؛ حيث قدمن أعمالاً فنية وأدوات بصرية مذهلة، عكست قدرة فائقة على تحويل أعقد النظريات النفسية إلى ممارسات ملموسة، تبرهن على ذكاء إنساني ومهني وقدرة عالية على التفاعل مع الحالات الصعبة بلمسة أنثوية وإبداعية فريدة.
وتكتمل هذه الدائرة المعرفية حين تنفتح المدرسة على محيطها الاجتماعي، وتحديداً عبر تلك الشراكة النوعية مع المدرسة العمومية. هنا، تصبح المعرفة مسؤولية، والتعلم رسالة سامية؛ إذ يقف الطلاب جنباً إلى جنب مع أطفال يواجهون تحديات واضطرابات نفسية، محولين ما تعلموه داخل الورشات إلى بلسم يداوي جراح هؤلاء الصغار. إن هذا التلاحم الميداني هو الذي يمنح التجربة التعليمية قيمتها الحقيقية، حيث يرى الطالب بعينه كيف يمكن لمهاراته أن تغير مسار حياة إنسان.
هذا البناء المتكامل يستند إلى أعمدة متينة وقوة دفع ملهمة، يقودها البروفيسور عبد الكريم بلحاج برؤية حكيمة تضع مصلحة الطالب في المقام الأول. إن خبرته الواسعة ومساره المهني الحافل يشكلان البوصلة التي توجه هذه السفينة نحو آفاق الإبداع، مدعوماً بالعطاء الفياض للأستاذة نادية لامودي. فهي التي تمنح الورشات طاقة خاصة وإشرافاً يملؤه الشغف، محولةً ساعات التكوين إلى لحظات من المتعة والتعلم العميق.
إنها تجربة استثنائية تبرهن أن التعليم الحقيقي هو الذي يزاوج بين العقل والقلب؛ تبدأ برؤية قيادية رصينة، وتمر عبر ورشات تصقل الموهبة، لتصل في النهاية إلى يد ممدودة بالخير في قلب المجتمع. هي دعوة للإعجاب بمؤسسة جعلت من العلم وسيلة ليكون الإنسان سنداً حقيقياً للإنسان


Comments
0