اليوم هو يوم عيد الأضحى. في البيوت التي اعتادت أن تمتلئ ببهجة التكبيرات وفرحة الأطفال حول “الحولي” ، يحل هذا العام صمت ثقيل. أسر مغربية استقبلت العيد دون أن تؤدي شعيرة الأضحية. ليس تقصيراً في الدين، ولا زهداً في السنة، بل لأن الواقع كان أقوى من كل التمنيات.
في الأزقة والأحياء الشعبية، المشهد مختلف هذا العام. مصلون يقفون مكتوفي الأيدي بعد صلاة العيد، وجيران يسألون بعضهم البعض: “حتا انتوما مشريتوش؟ الإجابة واحدة: “ما لقيتش”، أو “ما قدرتش”.
مشهدان يختزلان الأزمة
المشهد الأول: رب أسرة، موظف بسيط، قضى الأيام الثلاثة الأخيرة قبل العيد متنقلاً بين الأسواق والضيعات، يبحث عن أضحية في حدود ميزانيته. 2500 درهم، 3000 درهم، 3500 درهم… الأسعار ترتفع كلما اقترب الموعد. في النهاية، عاد إلى بيته بين اليدين بضع كيلوغرامات من للحم مختلذ بين لحم الدجاج و البگري و بعض نقاق لشواء ايام العيد، يخفي دموعه عن أطفاله الذين كانوا يحلمون بـ”كسوة العيد” وصورة الخروف في البهو.
المشهد الثاني: سيدة أرملة، معيلة لأربعة أيتام، ادخرت طوال السنة من “صندوق العيد” مبلغاً متواضعاً. ذهبت إلى إحدى الاسواق التجارية قبل يومين، فوجدت الكيلوغرام الواحد بـ 90 درهماً. حسبت المبلغ المطلوب لأضحية صغيرة، فوجدته يتجاوز مدخراتها بفارق كبير. عادت أدراجها، وفي قلبها غصة لا توصف.
هذه ليست حكايات معزولة. إنها واقع مرير عاشته أسر هذا العام.
بين “الوفرة” المعلنة و”العجز” الواقعي: تساؤلات مشروعة
ما يزيد من مرارة المشهد هو ذلك التباين الصارخ بين التصريحات الرسمية التي تحدثت عن “وفرة كبيرة” في القطيع الوطني، وبين واقع حال المواطن الذي لم يجد أضحية أو لم يستطع تحمل ثمنها.
هنا، تبرز تساؤلات مشروعة لا تحتمل التأجيل:

التساؤل الأول: أين ذهبت الوفرة؟
إذا كانت الأرقام الرسمية تؤكد وجود فائض في عدد الأغنام الموجهة للذبح، وإذا كانت عمليات الإحصاء والترقيم قد تمت بدقة كما أُعلن، فأين ذهبت هذه الوفرة؟ لماذا لم تنعكس على الأسعار في الأسواق الشعبية؟ لماذا لم تصل هذه الأضاحي إلى مستحقيها بأسعار معقولة؟
التساؤل الثاني: كيف نفسر منحى الأسعار؟
قبل العيد بأيام قليلة، أُعلن عن بيع الخروف بـ 75 درهماً للكيلوغرام في أحد المراكز التجارية، ثم قيل إن الكمية نفدت. بعد يوم واحد فقط، قفز السعر إلى 90 درهماً. هذا التقلب الحاد لا يمكن تفسيره فقط بقانون العرض والطلب. إنه يطرح احتمال وجود “يد خفية” تتحكم في تدفق السلعة إلى السوق، بما يخدم مصالح أطراف معينة على حساب عموم المواطنين.
التساؤل الثالث: هل يمكن الحديث عن “ندرة مصطنعة”؟
في ظل تأكيدات رسمية بوجود فائض، وفي ظل اختفاء الأضاحي من الأسواق أو عرضها بأسعار خيالية، يبقى احتمال “الندرة المصطنعة” مطروحاً بقوة. هل تم تخزين الأضاحي في مراعٍ خاصة بعيداً عن أعين المراقبين؟ هل تم التحكم في وتيرة عرضها في الأسواق لخلق حالة من الهلع ورفع الأسعار؟ هذه أسئلة لا يمكن تجاهلها، خاصة مع اعتراف جهات رسمية سابقة بوجود ممارسات “تخزين” و”إغلاق” للقطيع.
التساؤل الرابع: أين آليات المراقبة والحماية؟
إذا كانت ممارسات المضاربة والاحتكار معروفة ومُشاراً إليها حتى في التصريحات الرسمية، فأين كانت أجهزة المراقبة؟ لماذا لم يتم تفعيل آليات حماية المستهلك بشكل استباقي بدل انتظار “فاجعة” اجتماعية كل عيد؟
ما بعد العيد: هل تنفرج الأزمة أم تتفاقم؟
يوم العيد ينتهي، لكن الأسئلة تبقى. والأخطر من ذلك أن “ما بعد العيد” يحمل في طياته مؤشرات مقلقة. فارتفاع أسعار الأضاحي هذا العام سيخلق “أرضية سعرية” جديدة قد تستمر إلى ما بعد الموسم. ومن يعتقد أن الأسعار ستنخفض بعد العيد، قد يصطدم بواقع مختلف: فتكلفة تربية الماشية مرتفعة، والمراعي شحيحة، وارتفاع أسعار الأعلاف مستمر.
هنا يُطرح سؤال استراتيجي: هل يمكن أن يكون ما حدث هذا العام جزءاً من “إعادة هيكلة” لسوق اللحوم الحمراء في المغرب، بحيث يتحول “الخروف” من سلعة استهلاكية موسمية في متناول الطبقة المتوسطة، إلى سلعة “فاخرة” مخصصة للأغنياء فقط؟
خاتمة: عيد بلا فرح.. وعيد بلا صوت
في صباح يوم العيد، يؤدي الآلاف صلاة العيد، ثم يعودون إلى بيوتهم. بعضهم يذبح أضحيته، لكن كثيرين غيرهم يكتفون بمشاهدة جيرانهم وهم يمارسون الشعيرة، في صمت مؤلم.
٠
هذا الصمت ليس مجرد غياب للصوت. إنه صوت آخر، أعمق وأبلغ: صوت العجز، صوت الحرمان، صوت التساؤل عن مستقبل يبدو أن “فرحة العيد” فيه صارت امتيازاً لا يملكه الجميع.
هل سيكون العيد القادم مختلفاً؟ الإجابة مرهونة بما سيحدث بين اليوم وذاك الحين. مرهونة بفتح تحقيق جاد في مسار “الوفرة” المفقودة، وبإرادة سياسية حقيقية لضبط الأسواق، وباستراتيجية واضحة لحماية الأمن الغذائي للمواطنين. وحتى ذلك الحين، سيبقى عيد الأضحى بالنسبة لكثيرين مجرد يوم عادي… لكنه بوجع لا يوصف.


Comments
0