ونحن دؤوبون على الحياد وأخذ نفس المسافة نفسها بين كل الأطياف السياسية، لابد من ممارسة حقنا في إبداء الرأي والنقد للأقرب قبل البعيد.. وعليه أتناول اليوم تعبئة حزبين بإقليم خنيفرة، ولسخرية الأقدار يقودان الحكومة، واليوم يمارسان الخصومة والندية، لأجل الفوز في الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بعدها يمكن أن يتحولا إلى واحد !..
مرت خمس سنوات، على لقاء “أمنگوس البقريت” ليحل علينا اليوم لقاء “أمدغوس أگلموس”يبدو أن جغرافيا الأطلس المتوسط قررت أن تلعب هي الأخرى لعبة “التناص السياسي”، فسخرت من عقول الباحثين عن التنمية بأسماء متقاربة كأنها صدى لحشرجة الجبال! بين “أمنگوس” المرابطة في كنف البقريت بإقليم إفران، و”أمدغوس” القابعة في أحضان أگلموس بإقليم خنيفرة، ما أشبه اليوم بالأمس لا نملك إلا أن نتساءل: هل هي صدفة جغرافية، أم أن العقل الحزبي المخملي لا يستوعب تنظيم غاراته الاستعراضية إلا في أماكن تنتهي بـ “الـغُوس”، علّها تُغيث شغفه المضني بالركوب على ٱمال المواطن المقهور؟
تأملوا معي هذه المفارقة الإقليمية: ففي الأمس قبل خمس سنوات، جاب وزير الفلاحة السابق (رئيس الحكومة اليوم) بقافلته نحو “أمنگوس البقريت” ليُطعم الناس مئتي ذبيحة شُوِيَت على جمر المعانات ويُسقيهم سراباً مجمّعاً في مظاريف مغلقة، حيث صعدت “الحمامة” إلى الجبل على إيقاع خفوت أصوات المكبرات، تاركة للكسّابين عظام الخراف ورائحة الشواء التي تبخرت معها وعود تعويض نفوق الماشية حينها جراء الحمى القلاعية.
واليوم، يختار الغريم والحليف في التحالف الحكومي ذاته “أمدغوس أگلموس” ليُعيد إخراج نفس المسرحية، إذ ينزل هذه المرة “حارس الميزانية ووزير المونديال” بذاته، متسلحاً برمزية “الجرار” هذه المرة..
فقد حل الرجل واستُقبل على السجاد الأحمر والزرابي الزيانية والخطابات الرنانة والتزكيات الجاهزة، وكأن جبال خنيفرة كانت تنقصها تزكيات الحزب أو ميزانيات الرياضة لتُحلّ مشكلة الكهرباء والماء والمسالك الطرقية المهترئة! وكأن الأطلس سينما مفتوحة لا تعرض سوى فيلم واحد بعنوان: “كيف تشتري صوتاً بوجبة غداء فاخرة في منتجع جردي؟”.
إنها الهندسة السياسية ذاتها، نُسخت كربونياً من إقليم إلى إقليم، ومن “أمنگوس” إلى “أمدغوس”: تارةً تُذبح الخراف على شرف “المغرب الأخضر”، وتارةً تُفرش الزرابي على شرف “التواصل الميداني” وتوزيع التزكيات، والنتيجة واحدة دائماً. ينصرف الوفد الرسمي بكاميراته وسياراته ذات الدفع الرباعي كالبرق إذا عصف، يترك خلفه غبار الموكب وطريقاً أكل عليه الدهر وشرب، بينما يعود المواطن البسيط إلى كوخه المتواضع المتهالك، متسائلا: كم هؤلاء الكبار طيبون!، يعرفون مشاكلنا! يفهمون ما يحط من كرامتنا!.. لكن لماذا زادت معاناتنا وهم يدبرون حياتنا خمس سنوات؟ لماذا كل شيء أصبح نارا تلحف جيوبنا؟ ورغم ذلك يعقد عليهم ٱمالا لا متناهية أن يكون الغد أفضل..
يرحلون بينما ينظر إلى لافتات الحملات المتلاحقة، منتظراً “گودو” التنمية الذي يتغير ضيوفه ووزراؤه، بينما يصرّ هو على عادته القديمة: ذلك الأمل الدائم الغياب!


Comments
0