تشهد الساحة الوطنية مشاهد مؤلمة تعكس عمق مأساة الهجرة غير النظامية، في ظل غيابٍ شبه تام للنخب السياسية عن تقديم حلول حقيقية، وركوبٍ متأخر على آلام الشباب والقاصرين والأسر التي تتطلع للعبور وما يعانيه أبناؤنا في المناطق المحتلة اليوم. إن المحاولات اليائسة للفرار نحو الضفة الأخرى تستنزف الطاقات الشبابية للبلاد وتضع مئات الأسر تحت وطأة قلقٍ مرير على أبناء يركضون نحو المجهول. ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يفرض سؤال حارق نفسه من قلب المجتمع أين الأحزاب السياسية من هذه الفاجعة؟ وكيف تحولت مأساة وطن يستنزَف إلى منصة للمزايدات والمناورة السياسية؟إن صمت المؤسسات وغياب الفاعلين السياسيين عن المشهد الميداني يزيدان من تفاقم ظاهرة زحف القاصرين نحو البحر هذا الفراغ القاتل الذي تتركه الطبقة السياسية في الهوامش والأحياء الشعبية وبدلاً من أن تجعل منه محوراً لبرامج حزبية تتضمن حلولاً ملموسة يعكس تخلي معظم الهياكل الحزبية عن أدوارها الدستورية المتمثلة في التأطير والحوار المباشر مع الشباب، والاستماع لتطلعات الفئات الهشة قبل أن تتلقفها شبكات الاتجار بالبشر وخيبات الأمل.وما يثير الانتباه حقاً هو الاستفاقة المباغتة لبعض الفاعلين والنخب السياسية مع تصاعد التغطيات الإعلامية للظاهرة وقرب موعد الانتخابات يبدأ الاستنفار المتأخر الذي لم يتجه نحو تقديم مشاريع قوانين حاسمة أو إطلاق مبادرات ميدانية للإنقاذ، بل اقتصر على خرجات إعلامية وتصريحات رنانة عبر منصات التواصل الاجتماعي التي سعت إلى دغدغة مشاعر الشارع المتألم وتوظيف الغضب الاجتماعي لتصفية حسابات ضيقة وتلميع الصور في أفق الانتخابات القادمة، دون تقديم بديل اقتصادي أو اجتماعي واحد يقنع طفلاً بترك فكرة العبور.إن خطورة اختزال قضية الهجرة غير النظامية في مجرد “رصيد انتخابي” أو “مادة للاستهلاك الإعلامي” تُعمّق حالة عزوف الشباب ونفورهم من العمل السياسي والمؤسساتي. فالشارع اليوم أوعى من أن ينساق وراء شعارات تعاطف لحظية تُطلق أمام العدسات وتختفي فور إغلاق البث.إن معالجة نزيف الهجرة والقضايا الوطنية الكبرى تتطلب مسؤولية سياسية وشجاعة حقيقية؛ فلا حاجة اليوم لخطابات تبريرية أو ركوب على الموجة، بل إلى إرادة سياسية جادة تضع حداً لهذه المأساة عبر خطوات عمليّة واستراتيجية واضحة في :إعادة توجيه الاستثمار نحو العنصر البشري: وضع خطط تنموية عاجلة محددة الميزانية وقابلة للتنفيذ الفوري مع التركيز على الجهات الأكثر تصديراً للهجرة.إنقاذ منظومتي التعليم والتكوين: تفعيل أدوار التأطير والمواكبة للحد من الهدر المدرسي وفتح مراكز تكوين مهني تضمن الإدماج الفعلي للشباب في سوق الشغل.التزام أخلاقي وميداني : الكف عن التعاطي السطحي مع قضايا العيش الكريم، والحديث بلغة الأرقام والحلول الواقعية القابلة للتقييم، بعيداً عن الاستغلال السياسي.إن “قوارب الموت” التي تخطف مستقبل الوطن لن توقفها الشعارات ولا التصريحات الموسمية، أو البرنامج الحزبية بل توقفها بيئة وطنية ضامنة للكرامة، ومؤسسات سياسية تمارس دورها بمسؤولية ونزاهة، بعيداً عن حسابات الربح والخسارة الانتخابية.
الهجرة والركوب السياسي… عندما تتحول المأساة إلى ورقة انتخابية


Comments
0