كيف يمكن لأحزاب سياسية أن تتخلى عن مواقفها الإيديولوجية ومبادئها المعلنة، بعدما كانت ترفض الجلوس إلى طاولة واحدة مع حزب وصفته بالأمس بـ«الوافد الجديد»، لتجد نفسها اليوم مصطفّة إلى جانبه في تحالف سياسي واحد؟ وهل تستطيع هذه الأحزاب الحفاظ على مصداقيتها وإقناع الشباب بالانخراط في صفوفها، في ظل التناقض الواضح بين خطابها السابق وممارساتها الحالية؟ ثم كيف يمكنها الدفاع عن العدالة الاجتماعية والمجالية والديمقراطية، بينما تثار تساؤلات حول طبيعة ارتباطاتها بالمصالح الاقتصادية الضيقة وما يُعرف شعبياً بـ«رأسمالية الريع» و«المقاولات السياسية»؟هذه الأسئلة تضعنا أمام واحدة من أبرز الإشكالات التي تواجه الحياة الحزبية: حدود التوفيق بين البراغماتية السياسية والالتزام بالمبادئ، وبين حق الأحزاب في بناء التحالفات وواجبها في الحفاظ على هويتها الفكرية والسياسية.لا يتعلق الأمر بمجرد تغيير في خريطة التحالفات، فالتقاطعات السياسية تظل أمراً مشروعاً في الأنظمة الديمقراطية، وقد تفرض نتائج الانتخابات التفاوض مع أطراف كانت بالأمس في موقع الخصومة. غير أن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما يحدث هذا التحول من دون تفسير مقنع للرأي العام، أو مراجعة معلنة للمواقف السابقة، أو توضيح لما تغيّر في البرامج والمبادئ حتى أصبح الخصم السابق حليفاً مقبولاً.فحين تتراجع الشعارات التي دافعت عنها الأحزاب لسنوات أمام حسابات المشاركة الحكومية وتوزيع المسؤوليات، يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كانت التحالفات الجديدة تعبيراً عن مراجعة سياسية ناضجة، أم مجرد استجابة لمنطق المقاعد والمناصب. كما أن غياب النقاش الداخلي وضعف إشراك القواعد الحزبية في القرارات الكبرى قد يحوّلان التنظيمات السياسية إلى هياكل تتحكم في توجهاتها قيادات محدودة، بعيداً عن انتظارات المناضلين والناخبين.وتزداد حدة هذه الإشكالية عندما يتعلق الأمر بأحزاب سبق أن جعلت من معارضة حزب «الوافد الجديد» عنواناً لخطابها السياسي، وربطت موقفها منه بالدفاع عن الديمقراطية والتعددية واستقلالية القرار الحزبي. فإذا كانت هذه المبررات لا تزال قائمة، فما الذي تغيّر اليوم؟ وإذا كانت تلك المواقف تحتاج إلى مراجعة، فلماذا لا تُقدَّم للرأي العام باعتبارها مراجعة سياسية واضحة، بدل الاكتفاء بتبريرات ظرفية تترك الباب مفتوحاً أمام الشكوك؟إن التحالف السياسي ليس خطيئة في حد ذاته، كما أن الاختلاف الإيديولوجي لا يمنع بالضرورة التوافق حول برنامج حكومي مشترك. لكن التحالف المسؤول يقتضي وضوحاً في الأهداف، وتحديداً للأولويات، والتزاماً بتعاقد سياسي يمكن للمواطنين تقييم نتائجه ومحاسبة أطرافه. أما الانتقال من الخصومة الحادة إلى التقارب السريع من دون تفسير، فإنه يضعف الثقة في الخطاب الحزبي ويغذّي الانطباع بأن المواقف قد تتغير بتغير موازين القوة والمصالح.وتنعكس هذه التناقضات على علاقة الأحزاب بالشباب، الذين لا يبحثون فقط عن وعود انتخابية أو شعارات جذابة، بل عن تنظيمات تقدم نموذجاً في الوضوح والنزاهة والمشاركة الديمقراطية. وعندما يشاهد الشباب أحزاباً تتراجع عن مواقفها السابقة من دون نقاش علني، فإن ذلك قد يعزز شعورهم بأن العمل السياسي لا يتيح دائماً مجالاً حقيقياً للدفاع عن القناعات والتغيير، وهو ما يساهم في اتساع فجوة الثقة والعزوف عن الانخراط الحزبي.ولا يقل التناقض وضوحاً حين ترفع الأحزاب شعارات العدالة الاجتماعية والمجالية، ومحاربة الفوارق، وتكافؤ الفرص، في وقت تظل فيه طبيعة علاقتها بالمصالح الاقتصادية الكبرى موضوعاً للنقاش والمساءلة. فالدفاع عن العدالة الاجتماعية لا يُقاس بعدد الخطب والبيانات، بل بمدى الاستعداد لاتخاذ قرارات تحد من الامتيازات غير المستحقة، وتواجه تضارب المصالح، وتضمن توزيعاً أكثر إنصافاً للثروة والاستثمارات والخدمات بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية.ومن هنا، يبرز السؤال حول مدى قدرة الأحزاب على التوفيق بين التزاماتها الاجتماعية ومشاركتها في تحالفات تضم قوى اقتصادية وسياسية تختلف معها في التصورات والأولويات. فليس كل تحالف دليلاً على الخضوع للمصالح الاقتصادية، كما لا يكفي رفع شعار العدالة الاجتماعية لإثبات الالتزام بها. الفيصل الحقيقي هو البرنامج المعتمد، والقرارات المتخذة، ومدى انعكاسها على حياة المواطنين، ولا سيما الفئات الهشة والمناطق التي تعاني التهميش.إن استعادة الثقة لا تتحقق بمجرد تغيير الخطاب أو تجديد الوجوه، بل تتطلب ديمقراطية داخلية فعلية، وإشراك الشباب في صناعة القرار، واحترام الالتزامات الانتخابية، والكشف عن الأسس التي تقوم عليها التحالفات السياسية. كما تقتضي ربط المسؤولية بالمحاسبة، والتعامل مع تضارب المصالح بشفافية، حتى لا تتحول المشاركة في تدبير الشأن العام إلى غاية في حد ذاتها، بدل أن تكون وسيلة لتنفيذ برامج تخدم المواطنين.في نهاية المطاف، ليست المشكلة في أن تتحالف الأحزاب مع خصوم الأمس، بل في أن تفعل ذلك من دون تقديم تفسير سياسي مقنع لقواعدها وللرأي العام. فالممارسة الديمقراطية تسمح بتغيير المواقف، لكنها لا تعفي الأحزاب من مسؤولية تبريرها. وبين حق التحالف وواجب الوفاء للمبادئ، ستظل مصداقية الأحزاب مرتبطة بقدرتها على إثبات أن السياسة ليست مجرد حسابات للمواقع والمناصب، بل التزام بالبرامج والقيم والمصلحة العامة.والسؤال الذي يبقى مطروحاً بإلحاح: هل تستطيع الأحزاب تحويل تحالفاتها الجديدة إلى فرصة لتجديد مشروعها السياسي واستعادة ثقة المواطنين، أم أن استمرار الفجوة بين الخطاب والممارسة سيجعل الشعارات الإيديولوجية مجرد عناوين موسمية تستحضرها الأحزاب في الحملات الانتخابية، ثم تتخلى عنها عندما تبدأ مفاوضات السلطة؟
من المبادئ إلى التحالفات: هل تخلّت الأحزاب السياسية عن هويتها الإيديولوجية بحثاً عن السلطة؟


Comments
0