احتضنت عمالة إقليم خنيفرة، مساء اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، أشغال الندوة الفكرية الأولى المنظمة ضمن فعاليات المرحلة الخريفية من الدورة السابعة للمهرجان الدولي «أجذير إيزوران»، الذي تنظمه مؤسسة روح أجذير الأطلس، في سياق تخليد الذكرى الخامسة والعشرين للخطاب الملكي التاريخي بأجذير، الذي ألقاه الملك محمد السادس يوم 17 أكتوبر 2001.وشكلت هذه الندوة مناسبة لاستحضار الأبعاد التاريخية والسياسية والثقافية لخطاب أجذير، باعتباره محطة مفصلية في مسار الاعتراف بالهوية الأمازيغية، ومنطلقاً لتحولات مؤسساتية وتشريعية همّت مكانة اللغة والثقافة الأمازيغيتين داخل المجتمع المغربي.
خطاب أجذير ورهانات التنمية المستدامةواستُهل البرنامج العلمي للندوة بمداخلة للدكتور مولاي هاشم جرموني، عن جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، تحت عنوان: «الخطاب الملكي بأجذير: رؤية استراتيجية لدور اللغة والثقافة الأمازيغية في التنمية المستدامة».
وتمحورت المداخلة حول الأبعاد الاستراتيجية التي يحملها خطاب أجذير، والعلاقة بين تثمين الموروث اللغوي والثقافي الأمازيغي وتحقيق تنمية مستدامة تراعي الخصوصيات المجالية والهوياتية للمناطق المغربية.
كما أتاح موضوع المداخلة فرصة للتأمل في أهمية جعل الثقافة واللغة الأمازيغيتين رافعتين للتنمية، بدل حصرهما في البعد الرمزي أو الاحتفالي، خصوصاً بالمناطق الجبلية التي تزخر برصيد ثقافي وحضاري غني.
من الرأسمال الثقافي اللامادي إلى خلق الثروة
وفي محور ثانٍ، تناول الدكتور محمد عادل إيش، عن جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال والمدرسة العليا للتكنولوجيا بخنيفرة، موضوعاً بعنوان: «من الرأسمال الثقافي اللامادي إلى خلق القيمة الترابية: آفاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية بإقليم خنيفرة في ضوء خطاب أجذير».
وفتح هذا المحور النقاش حول الإمكانات التي يتيحها التراث الثقافي اللامادي في خلق القيمة الاقتصادية والاجتماعية، من خلال تثمين المؤهلات المحلية وربطها بمشاريع التنمية الترابية.
ويكتسي هذا الموضوع أهمية خاصة بالنسبة لإقليم خنيفرة، بالنظر إلى ما يزخر به من موروث أمازيغي متنوع، يشمل الفنون والتقاليد والمعارف المحلية والحرف التقليدية، وهي مقومات يمكن أن تتحول إلى فرص اقتصادية حقيقية متى توفرت لها سياسات عمومية ملائمة وآليات فعالة للتثمين والاستثمار.
الأمازيغية بعد ربع قرن من خطاب أجذير: بين المكتسبات وإكراهات التنزيل
أما المداخلة الثالثة، فقدمها الأستاذ المصطفى أوموش، من قطاع التفتيش والمراقبة التربوية بخنيفرة، والباحث في اللغة والثقافة الأمازيغية، تحت عنوان: «الأمازيغية بعد ربع قرن من خطاب أجذير: مسار التفعيل المؤسساتي ورهانات التنزيل المجالي».
ويطرح هذا المحور إشكالية جوهرية تتعلق بالمسافة الفاصلة بين الاعتراف الدستوري والمؤسساتي بالأمازيغية وبين حضورها الفعلي في الحياة اليومية للمواطنين.
كما يفتح المجال لتقييم مسار إدماج الأمازيغية في المؤسسات العمومية، ولا سيما في قطاعات التعليم والإدارة والخدمات العمومية، ومدى انعكاس هذا المسار على الواقع اللغوي والثقافي للمجتمع المغربي، بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على خطاب أجذير.
كلمة اختتامية لرئيس المؤسسة: المكتسبات المحققة لا تزال دون مستوى الانتظاراتوفي ختام أشغال الندوة، ألقى رئيس مؤسسة روح أجذير الأطلس كلمة توقف خلالها عند مسار إدماج الأمازيغية في الحياة العامة للمغاربة، مستحضراً جانباً من المكتسبات التي تحققت منذ خطاب أجذير التاريخي.
غير أن الأستاذ محمد ياسين رئيس المؤسسة المنظمة “روح أجذير إيزوران الأطلس” لم يُخفِ محدودية النتائج المحققة على أرض الواقع، معتبراً أن ما تحقق إلى حدود اليوم يظل ضعيفاً مقارنة بحجم الانتظارات والطموحات المرتبطة بتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية.
وأكد، في مضمون كلمته، الحاجة إلى إعطاء دفعة أكبر لهذا الورش الوطني، بما يسمح بتسريع وتيرة إدماج الأمازيغية في مختلف مناحي الحياة العامة، والانتقال من مستوى الاعتراف القانوني والمؤسساتي إلى مستوى الممارسة الفعلية التي يلمس المواطن أثرها في حياته اليومية.
وتكتسي هذه الملاحظات أهمية خاصة بالنظر إلى مرور ربع قرن على خطاب أجذير، وأكثر من خمسة عشر عاماً على دسترة الأمازيغية لغة رسمية للدولة المغربية، وهو ما يجعل تقييم حصيلة التنزيل ومدى احترام الالتزامات القانونية والمؤسساتية أمراً ضرورياً.
وتأتي هذه الندوة في سياق يتجاوز مجرد الاحتفاء بذكرى تاريخية، لتطرح أسئلة مرتبطة بمستقبل الأمازيغية وموقعها في السياسات العمومية، ومدى قدرة المؤسسات على تحويل المكتسبات التشريعية إلى منجزات ملموسة.
فإذا كان خطاب أجذير قد شكل منعطفاً تاريخياً في مسار الإنصاف الثقافي واللغوي بالمغرب، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في استكمال هذا المسار، خصوصاً على مستوى تعميم تدريس الأمازيغية، وتوسيع استعمالها في الإدارات والمرافق العمومية، وتعزيز حضورها في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وبذلك، شكلت الندوة الفكرية الأولى للمهرجان الدولي «أجذير إيزوران» محطة لطرح إشكاليات تجمع بين الذاكرة التاريخية ورهانات الحاضر، وتعيد إلى الواجهة سؤالاً أساسياً:
بعد خمسة وعشرين عاماً على خطاب أجذير، إلى أي حد نجح المغرب في تحويل الاعتراف بالأمازيغية إلى واقع مؤسساتي ومجتمعي ملموس؟ وهو سؤال تزداد أهميته كلما اتسعت الفجوة بين المكتسبات القانونية وانتظارات المواطنين في أن تصبح الأمازيغية حاضرة بصورة طبيعية وفعالة في مختلف مجالات الحياة العامة.






Comments
0